فلسفة الغير

درس الغير :

الجزء الأول

وجود الغير:  وجود الغير موضع  تساؤل.

"أنا أفكر إذن أنا موجود" هكذا يتكلم ديكارت عن أهم حقيقة، بل عن أم الحقائق البديهية، التي على أساسها يقوم نسق الحقيقة الديكارتية كله. لكن هذا الكوجيطو في علاقته بالوجود الاجتماعي يطرح عدة احراجات و مفارقات تجعل منه غير صالح  لتأسيس نسق اجتماعي، و مرد ذلك لأن ديكارت يغرق الأنا في شبكة من العزلة  فقط من أجل الانسجام مع نسقه الرياضي المعرفي. ما هي هذه المفارقات؟

أولها أن الأنا في فلسفة ديكارت تتخذ بعدا معرفيا و ليست  ذات فعالية اجتماعية، فهي ذات عارفة  في مواجهة موضوع  تمارس عليه التعالي العقلي، تفعل فيه وفق مفاهيم قبلية لا دخل للموضوع فيها. من الزاوية الاجتماعية و على الأخص من جهة العلاقة مع الأخر تحتفظ هذه الأنا الديكارتية بطابعها  المعرفي، تبحث عن البرهان اليقين لإثبات وجود الغير و إدراك حقيقته.  و في المحصلة يبقى هذا الغير مجرد موضوع فرجة معرفية للحواس دون أن يرقي إلى مستوى الموضوع العقلي، و يبقى وجود الغير معلقا من دون دليل يثبته. من على شرفته يصرح ديكارت انه يرى بلا شك رجالا يتحركون في الشارع ، لكن ما يمليه عليه عقله هو القول بأن ما يراه هو مجرد قبعات و معاطف تتحرك و تقوم بسلوكيات مشابهة لما يقوم به هو. لكن هل هناك من دليل على أن هؤلاء هم أناس حقيقيين؟ إن وعيي هو التجربة الوحيدة التي أملك يقينا بوجودها، و من ثمة أن وعي الغير هو تجربة تخرج عن نطاق إدراكي و لا يمكن أن أتبت منطقيا و جود الغير . كيف نتصرف إزاء هذا الوضع الذي تعجز معه الأنا على أتبات وجود الغير و في نفس الوقت  تقودنا التجربة الحياتية و الاجتماعية إلى  التعرف على الغير و الشعور بوجوده المباشر؟

المفارقة الثانية  تتعلق  باستيعاب الوجود الاجتماعي للغير في دائرة الأنا، لا شك أن ديكارت عاش حياة و سطا ناس قد يكونون زوجته و أهله و أصدقاءه، ترتبط حياته بهم في الكثير من اللحظات ، يؤثر فيهم و يتأثرون به، و هو من هذه الوجهة يعيش حياة اجتماعية ممتلئة. لكن الأنا أفكر قادته إلى الشك في وجود الغير  في غياب دليل يقيني عقلي. من هذه الزاوية النظرية تبدو الأنا الديكارتية غارقة في عزلتها الاجتماعية، تستمد وجودها من ذاتها و غير قادرة  على الاعتراف بالوجود الواقعي للغير في دائرة حياة الأنا. تبدو الأنا و كأنها معلقة في الهواء و الغير ليس سوى دمى أو آلات ميكانيكية أو أشباح خاوية من أي و عي موضوعي.

انطلاقا من وعيه بهذه المفارقات التي يطرحها الكوجيطو الديكارتي حاول مالبرانش باعتباره من إتباع الفلسفة الديكارتية  اقتراح حل للمأزق المعرفي  الذي يطرح الغير داخل فلسفة ديكارت. يصرح مالبرانش أن معرفة وعي الغير مسألة بالغة الصعوبة ، لأنني لا استطيع اختراق رأس الغير و معرفة ما يدور فيه. لكن بإمكاني الاقتراب من  معرفته عن طريق المماثلة ، يقول مالبرانش: " أحب الخير و  اللذة ، و اكره الشر و الألم ، و لن اخطأ في الادعاء بأن الناس الآخرين مثلي لهم نفس الميول" فأنا اشترك معهم في الانتماء  للطبيعة الإنسانية التي تفرض عليهم مثلي نفس الخصائص و الميول و إتباع القوانين، و لست  مطالبا بأن اسألهم لمعرفة  هل يحبون الخير و يكرهون الألم. فطبيعتنا الإنسانية المشتركة هي أقوى دليل لمعرفة الغير. إن دليل المماثلة  يمكننا من تعميم حكم الأنا على الغير مادام هذا الغير يشبه الأنا في الكثير من الأفعال و الخصائص.

بالنسبة لمارتن هايدغر من داخل الفلسفة المعاصرة لا يشكل وجود الغير قضية شك أو تساؤل، بمعنى أن هايدغر يتخلى عن الإشكال الديكارتي: كيف نثبت وجود الغير؟ و هذا المشكل يبدو مصطنعا و لا يفيد في النقاش الفلسفي للمشكلة الأخلاقية التي يطرحها الغير. الغير ليس فقط انه موجود في تقدير هايدغر بل هو شرط اونطولوجي و وجدي لأنا. و يحدد هايدغر هنا ثلاثة محددات وجودية لوجود الأنا:

-         الوجود –هنا "الدازين"، و هو الوجود الأصيل للأنا في ذاتها، و داخل عالمها الفكري و تجربتها الوجدانية. و هو اقرب إلى الوجود الديكارتي للأنا.

-         الوجود – في – العالم ، و هو وجود الأنا وسط نظام الأشياء و الظواهر الطبيعية التي تتخذها كوسائل تستغلها لمصلحتها.

-         الوجود – مع – الآخرين ، و هو وجود إنساني و اجتماعي تكتشف فيه الأنا أن وجودها و مصيرها مقترن بالآخرين، و تعيش الأنا داخل هذا العالم الإنساني المشترك الاستلاب أو القهر الذي يمارسه الغير على الذات ، الذي يسميه هايدغر بالعدم.

فالانطولوجيا الهايدغرية  لا  ترى أن الغير هو موضوع اعتراف  معرفي، بمعنى هل موجود أم لا؟ بل  ترى أن الغير هو مكون موضوعي من وجود الأنا ، الذي لا يمكنها تجاوزه و لا نكرانه، و المشكل الذي  تواجهه هذه الأنطولوجيا هو ذو بعد أخلاقي: كيف  نتفاعل مع الغير و نتواصل معه؟

لم تختلف الوجودية مع سارتر عن التوجه العام للأنطولوجية الهايديغرية من منطلق التأثير الذي مارسه هايدغر على سارتر في بداية مشواره الفلسفي. سيسلك سارتر نفس المسار الفنومنولوجي الذي سبق أن أسسه ادموند هوسرل و طبقه هايدغر في الانطولوجيا. الغير في تقدير سارتر هو حقيقة موضوعية أمامي، إنه جسد يحتل مكانا هناك و أنا هنا، ينظر الواحد منا إلى الآخر كما لو كان موضوع تجربة إدراكية ، و كما لو كان أحدنا بالنسبة للأخر مثل فأر تجربة. لكن الغير من خلال نظرته يمارس علي تأثيرا بالغا لست قادرا على مقاومته أن نكرانه، إنه يولد في نفس الخجل. من أين يأتيني هذا الخجل؟ لو كنت بمفردي فلن اشعر به. لكن وجود الغير أمامي يحرجني. فهل بإمكاني الادعاء أن الغير غير موجود؟ لا يمكن ذلك مادام وجودي يتأثر بوجوده أمامي كما تتأثر قطعة شمع ديكارت بوجود النار بجانبها. الغير إذن موجود و دليل وجوده هو تأثر ذاتي بنظرته.

 

 
 
استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=