الشخص


فلسفة الشخص: المفهوم و الاشكالات

             *** الجزء الأول ***                  

  د: محمد سعد


نود أن نعرض في هذه السلسلة لمفاهيم مقرر الفلسفة للسنة الثانية باكلوريا، و لكن بصيغة روائية أدبية من خلال حوار بين سارة و هي تلميذة في شعبة العلوم الرياضية و أبيها الذي يدرس الفلسفة
***
هام جدا : نود من كل من اطلع على هذا المقال و استفاذ منه أن يفيذ غيره به، من خلال دعوته إلى الانضمام إلى المجموعة
***

ـ سارة : لا أدري هل اللغة شاسعة و فضفاضة إلى حد يمكن أن نقول شيئا بعبارات مختلفة، أم أن كل عبارة هي موجهة نحو معنى محدد بعينه؟
ـ أبوها: إنه لسؤال شاسع و محرج بعض الشيء، لأنه يفتحنا على مشكلة عويصة في مجال فلسفة اللغة و المنطق و التداخلات المكثفة و المعقدة بين العلوم النفسية و العصبية و الدراسات اللسانية.
س ـ أه ، أظن أنه سؤال عادي إلى حد التفاهة، لأنني أشعر دائما بأن اللغة مجرد لعب بالكلمات، و لم أتصور هذا القدر من التعقيد الذي تتحدث عنه.
أ ـ هذه هي الحياة، كثيرا ما نعتقد أن الأمور البسيطة و التفاهة لا عمق لها، و هو تقدير خاطئ، لكن لو غيرنا زاوية النظر ، و توجهنا إلى الأمور بعين الفيلسوف أو العالم ستبدو لنا تنطوي على الكثير من العمق و التعقيد.
لكن ما الذي دفعك يا سارة إلى إثارة هذا التساؤل الفلسفي و المنطقي؟
ـ في الصباح كنت أتصفح الجرائد على الانترنت، و من بين العبارات التي أثارت غموضا في ذهني عبارتا الشخصية و الشخص. في خبر حول زيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب الذي رافقته بعثة من الشخصيات التي تنتمي إلى مجال المال و الأعمال و السياسة. و في خبر آخر على صفحات جريدة أخرى، قرأت أن وزارة الداخلية عممت بلاغا ينهي إلى علم المواطنين بضرورة تجديد بطاقات التعريف الوطنية بالبطاقات المغنطيسية الجديدة حسب الآجال المحددة، و كل شخص خالف هذه الآجال سيعرض نفسه للمتابعة القانونية. و الحمد لله أنني لم ابلغ بعد لسن الرشد القانونية.
ـ حسب ما فهمت من كلامك أنك تودين أن تسألينني عن سبب استعمال عبارة الشخصية في السياق الأول و لماذا لم يتم استعمال عبارة الشخص بدلها؟
ـ أجل .
ـ و هذا ما يبرر أن اللغة هي نسق من العبارات الدقيقة في معانيها، حتى و لو بدا لنا تقارب شديد بينها، فلاشك أن عبارة الشخصية هي مرادف للشخص في تقدير الكثير من الناس، غير أن هذا التطابق و الخلط بينها بعيد عن الصواب.
ـ أفهم ما تود قوله يا بابا ، و لكن هل لك أن تحدد لي معنى كل واحد منها، دون لف أو دوران؟
ـ هذا ما أن مقبل عليه، لكن تمهلي قليلا، لأن الأمر يحتاج إلى بعض التمهيدات الأولية التي على أساسها سيبنى فهمك الصحيح لهما.
ـ ما هي هذه المعطيات الضرورية و الأولية، إذن؟
ـ أراك مستعجلة ، و متوترة و نبرة كلامك معي حادة بعض الشيء، ربما هذا راجع إلى فضولك المعرفي و إلى الضغط النفسي الذي يولده مقرر الفلسفة للسنة النهائية في ذهنك و نفسك.
ـ أجل و أرجو منك المعذرة يا بابا العزيز
ـ أولا لا بد أن تعرفي أيتها الفتاة الجميلة أن عبارة الشخص مفهوم فلسفي ميتافيزيقي ينتمي إلى فلسفة الأخلاق، استعمل المفهوم من طرف ايمانويل كانط في بداية القرن الثامن عشر. أما مفهوم الشخصية فقد تأخر قليلا حتى بداية القرن العشرين، و هو ينتمي إلى حقل العلوم الإنسانية و علم النفس على وجه خاص.
ـ أذن الشخص مفهوم فلسفي مجرد و الشخصية مفهوم علمي واقعي، هل هذا ما تود قوله؟
ـ أجل أيتها الذكية، لكن لنعد لما قرأته في الجريدة، وبالضبط إلى سؤالك لماذا تم استعمال عبارة الشخصية بدل الشخص في الخبر الأول، و عبارة الشخص بدل الشخصية في الخبر الثاني؟. غالبا ما يتم استعمال عبارة الشخصية بشكل خاطيء من طرف عامة الناس أو بعض الخطابات الصحفية و الإعلامية، و كأن الشخصية هي صفة خاصة بفئة من الناس من يملكون سلطة أو وجاهة اجتماعية، و كأن الناس ينقسمون إلى فئتين: الواحدة تستحق نعتها بالشخصيات، و الأخرى عادية لا ترقى إلى ذلك. و هذا النوع من الاستعمال الانتقائي لعبارة الشخصية يتغذى من الأحكام و الصور التي يشكلها الناس عن بعض البعض. و من جملة الاستعمالات الخاطئة أيضا أن تسمعي مثلا أحدهم يقول لك أن فلانا ليست له شخصية. و هذا أيضا تعبير في غير محله و ليس موافقا للمواصفات العلمية.
ـ إذن ما هو الفهم العلمي ؟
ـ الشخصية من زاوية علم النفس خاصة بكل إنسان سواء كان طفلا أو شيخا، وزيرا أو فقيرا، رجلا أو امرأة. و لا يجوز أن يكون واحد منهم منعدم الشخصية، بل يحصل أن يختلفوا في درجة توازن و تماسك شخصياتهم، من له شخصية قوية و متوازنة ، و من له شخصية مضطربة و ضعيفة.
ـ انتبه يا بابا أنك لم تعرف بعد الشخصية علميا؟
ـ أعلم جيدا ذلك، يقدم ج ك فيلو تعريفا شاملا للشخصية من خلال الخصائص التالية:
* الشخصية هي نظام أو كلية أو نسق متكامل من الوظائف النفسية، و الذهنية، و الفزيولوجية، و شكة من ردود الفعل و التفاعلات مع المحيط الخارجي و الاجتماعي، و لا يمكن حصر الشخصية في الصفات أو طباع الفرد، لأن هذه الطباع هي نتيجة الوظائف الداخلية، لأننا قلنا أن فردا خجولا أو ذكيا أو عدوانيا مثلا فهذه الطباع هي تعبير عن طبيعة نشاط الأنظمة النفسية و الذهنية و العصبية الداخلية.
* الشخصية خاصة بفرد واحد و ليست جماعية و لا يشترك فيها اثنان أو أكثر، حتى و إن لاحظنا تشابهات بين أكثر من فرد في بعض الصفات و ردود الفعل، إلا أنها لا تبرر أن تكون شخصياتهم متطابقة، لهذا فالشخصية هي نظام فردي أصيل و متفرد.
* الشخصية تتطور حسب تطور الحياة الفردية و التجارب و المكتسبات، فشخصية الطفل تنمو عبر المراهقة و الشباب و الكهولة لتصبح في النهاية شخصية أكثر نضجا و اكتمالا، و قد تبدأ في الضعف بعد ذلك.
* الشخصية تقبل الملاحظة الميدانية، و يمكن أن تكون موضوع دراسات تجريبية من طرف علوم متعددة كعلم النفس و البيولوجيا العصبية و العلوم المعرفية و علم الاجتماع و غيرها من علوم الإنسان.
ـ ما فهمته يا سيدي العزيز أن استعمالنا لعبارة الشخصية في الحياة اليومية ليس علميا. لكن ماذا عن الشخص؟ ما هي قصته؟
ـ لاحظي أن عبارة الشخص تأتي دوما و أبدا في سياق الحديث عن القوانين الأخلاقية و التشريعات القانونية.
ـ أه، حقا لم انتبه لذلك من قبل
ـ حسنا هل تعرفين سبب هذا الاقتران بين الشخص و القانون؟
ـ كلا
ـ أن القوانين لا تسري إلا على من هم في سن الرشد، أو من هم يملكون القدرة على الوعي و التمييز و إرادة اختيار أفعالهم، فالقانون لا يتابع الطفل القاصر أو المجنون، أو من كان فاقدا للوعي بسب لا إرادي.
ـ لقد صدقت يا سيدي بابا
ـ معنى هذا أن الشخص هو صفة لا تخص كل الناس بل من هم قادرين على الوعي و التمييز و استقلال الإرادة. و يبرر كانط هذا كله من خلال تعريفه للشخص: الشخص هو ذات عاقلة حرة و مسؤولة عن أفعالها.
و ما يمكن أن نستنتجه من هذا التعريف أن الشخص يقوم على المعطيات التالية:
* الملكة العقلية التي تمكن الإنسان من الوعي و التفكير و التمييز بين الأفعال و نتائجها، و يرى ايمانويل كانط في كتاب "الانتربولوجيا" أن العقل يمنح تفوقا للإنسان على باقي الحيوانات لأنه يصبح ذكيا و قادرا على أن يضع لنفسه أهدافا و غايات، غير أن غاياته قد تكون ماكرة و سيئة، و بالتالي ينحط بواسطة العقل إلى دون مرتبة الحيوان. فالعقل لوحده لا يصنع الشخص، بل يجب أن يقترن هذا العقل بوعي أخلاقي يتجسد في سلوكات الإنسان عمليا عبر احترام القوانين الأخلاقية.
* الإرادة و الحرية التي تنبع من الوعي العقلي و الأخلاقي، و ليست الإرادة هنا مطلقة بل هي مقننة بالضوابط الأخلاقية التي تجعل منها حرية مسؤولة خاصة بكائن يحترم نفسه و واجباته المطلقة.
ـ أه ، يمكن لي أن الخص لك ما سبق عرضه يا سيدي الفيلسوف:
الشخص هو مفهوم فلسفي، ظهر في فلسفة الأخلاق مع ايمانويل كانط في القرن الثامن عشر، و يعبر عن البعد العاقل المتصل بالوعي الأخلاقي و الحرية المسؤولة في كل إنسان.
ـ صحيح يا سارة ، و لاستكمال التوضيح اضيف إلى معلوماتك ما يلي:
* مفهوم الشخص لا يعبر عن ما هو جسدي و لا ما هو نفسي أو ذهني، لأن هذه الجوانب تظل فردية و تختلف من شخص إلى آخر، فمثلا لكل واحد نفسيته، و طريقته في التفكير و قدره من الذكاء، و هيئته الجسدية الخاصة به و التي تميزه عن غيره. أما الشخص فيعبر عما هو كوني و مطلق في الانسان بغض النظر عن الزمان و المكان، فكل الناس يمتلكون العقل، و لهم إرادة و يمتلكون وعيا أخلاقيا، و القوانين الأخلاقية رغم اختلافاتها البسيطة تظل موحدة، فالقتل و الاغتصاب و السرقة أمور محرمة في كل المجتمعات و العصور، و ضرورة أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، و واجب قول الحق كلها مبادئ أخلاقية حرصت البشرية على تمجيدها. لذلك يخاطب يعبر مفهوم الشخص عما هو مجرد و معنوي وروحي في كل إنسان.

*إن كان الشخص يعبر عن العقل الأخلاقي الكوني و المشترك في الحياة الإنسانية، فهو يشير إلى فرد أو إنسان باعتباره ذاتا مفردة تشترك مع باقي الذوات الأخرى في الماهية العقلية و الأخلاقية.
ـمعنى هذا يا بابا أن مفهوم الشخص يعبر عن مفارقة الكونية و الذاتية في نفس الوقت، بمعنى أن الشخص يدل على ما يوجد في ذاتي من قدرة على الوعي العقلي أخلاقي، و في نفس ما يوحدني مع كل البشر ككائنات عاقلة و متخلقة.
ـ أجل يا سارة.

 الجزء الثاني
*************************************************************
بعدما وضحنا أن الشخص ذات واعية أولا بذاتها، أي قادرة على ممارسة الاستبطان أو ما يمكن اعتباره تفكيرا في الذات من جهة أحوالها النفسية و العقلية و أيضا في أفعالها و تصرفاتها، و هذه القدرة هي التي تميز الانسان عن البهيمة، و تميز الكائن الواع عن غير الواع.هكذا يعرف برتراند راسل الوعي باعتباره قدرة التفكير لأن يرتد الى الذات المفكرة، بمعنى أن الذات تتخذ من ذاتها موضوعا لتأملها العقلي.
إذن ماهي مميزات الوعي الذاتي للشخص؟
أول ميزة يمكن طرحها في هذا السياق هي الوحدة في تمثل الذات، أو ما يسمى بمبدأ الهوية.لكن ما معنى وحدة هوية الوعي الذاتي؟
قبل الجواب على هذا السؤال نود أن نقوم بتوضيح لمعنى مبدأ الهوية، هذا المفهوم برز لأول مرة في علم المنطق مع اليونان، و سبق أن سطره أرسطو كأحد المبادئ الأساسية للعقل و البرهان، و يتمثل في مطابقة الشئ لذاته بعيدا عن أي تناقض. فلا يمكن للشئ أن يحمل صفتين متعارضتين في نفس الوقت و المكان، و من هنا يكون مبدأ الهوية ينسجم مع مبدأ نفي التعارض، و مبدأ الثالث المرفوع. و سمي مبدأ الهوية في اللغة الفلسفية و المنطقية الأصلية با هو هو
على هذا الأساس فان الشخص يعي ذاته من خلال تطابقها مع ذاتها، بمعنى أنه يشكل تمثلا على ذاته باعتبارها نفس الذات عبر تدفق الزمن و مراحل الحياة، و تدفق المواقف و الوضعيات المعيشية.مثلا لو فتح أي أحد منا البوم الصور الشخصية سيقول أنه نفس الشخص الذي يظهر في جميع الصور، علما أنها تمثل أزمنة مختلفة و وضعيات مختلفة، كما أن جسده و ملامحه قد تغيرت من مرحلة و وضع الى آخر.هذا من جهة، و من جهة ثانية أن كل موقف نعيشه ندركه بشكل مفصول عن الموقف السابق عنه و اللاحق عليه،فالوعي المباشر الذي يصاحبنا في الحياة اليومية يتسم بالتجزيء و الانقطاع، مثلا عندما أكون في القسم و أدرك ذاتي و الوضع الذي أوجد فيه و عليه، ثم عندما أخرج الى البيت أو المقهى أو المسجد فانني أدرك كل موقف كحالة معزولة عن المواقف الأخرى،.هكذا تبدو تجربة الوعي المباشر كسلسلة من الادراكات المجزءة.لكنني مع ذلك أدرك أنني نفس الشخص هنا و الآن و هناك وفي أي زمان.
كيف يحصل لي هذا الوعي بالتطابق و الوحدة؟ ان كنت أقول أنني أنا نفس الشخص في جميع صوري و في كل مراحل عمري، فكيف أمكنني الوعي بذلك؟ بصيغة أخرى على أي ساس تقوم وحدة الوعي بهوية الذات؟
سنلاحظ أن هذا السؤال كان موضوع بحث من طرف العديد من العلوم و التخصصات، كان أولها البحث الفلسفي ، و البحث العلمي المتمثل في علم النفس المعرفي، ثم الانتربولوجيا.سنحاول أن نقدم اطلالة على كل فرع من هذه المباحث، لكننا سنركز أولا على البحث الفلفسي.و أهم ما يقال أولا في هذا الباب أن الفلسفة انقسمت في بحث موضوع الوعي الى ثلاثة تيارات رئيسة:أولها الثيار التقليدي العقلاني الذي مثله ديكارت و كانط، و ر، ،
،و ثانيها الثيار التجريبي الذي مثله دافيد هيوم و فرانسيس بيكون و جون لوك
و تالثها الثيار التوفيقي الذي حاول بشكل أو بأخر ايجاد توفيق بين الثيارين السابقين.
لنبدأ بالثيار الأول: العقلاني، و هذا الثيار هو في واقع الأمر يستبعد كل تدخل للتجربة الحسية و كل تجربة مستمدة من الواقع، بمعنى أنه ينظر الى الوعي كملكة عقلية فطرية و قبلية يمتلكها الانسان بالطبيعة، و يتضمن الوعي بشكل فطري مبادئه و قواعد اشتغاله بعيدا عن أي اكتساب أو خبرة . ويقتضي هذا أن مبدا الهوية هو من بين المبادئ الفطرية في العقل، و يعتبره ديكارت من المبادئ الأولية الفطرية التي رسمها الله في العقل البشري. و مثل هذا الاقرار يدفعنا الى القول مع ديكارت أنني أدرك ذاتي لأن عقلي يمتلك بالفطرة مبدأ وحدة الهوية.لكن كيف يثبت ديكارت هذه الفكرة.في كتابه التأملات، خصوصا في التأمل الثالت يقدم لنا ديكارت نفسه جالسا بجانب المدفئة و فيها نار من حطب مشتعل، و في يده قطعة من شمع، و يقول : فأنا أدرك قطعة الشمعة، و أدركها في شكلها و لونها و صلابتها، و حتى رائحتها.بعد ذلك أقربها من نار المدفئة فألاحظ أن شكلها بدأ يتغير و لونها كذلك حتى صلابتها بدأت في الارتخاء و رائحتها تغيرت،و أقوم بوضعها قريبا جدا من النار فأراها قد ذابت و سالت، و شكلها قد تغير كليا و لونها ورائحتها، حتى أنها لم تعد قطعة من شمعة..... لكنني أدرك أنها هي نفس قطعة الشمع في جميع الأحوال و الأوضاع التي مرت منها.و بنفس الشكل أدرك أنني أنا نفس الشخص الذي كنته طفلا و مراهقا و شابا و كهلا و هو نفسه و أنا على أعتاب الشيخوخة.
بالنسبة لديكارت كانت هذه النقطة حرجة جدا و لا يمكنها اتباثها اثباتا رياضيا و لا برهانيا، و كعادته يلجأ الى الله، فيعتبر أنه يجد في عقله ميلا فطريا نقشه الله في طبيعته لكي يدرك ذاته ككيان موحد و واحد.
أما بالنسبة لكانط و على الرعم من سعيه الدائم للتقريب بين وجهة نظر ديكارت و دافيد هيوم إلا أن كانط في نقطة وحدة هوية الوعي الذاتي كان في صف ديكارت كليا،غير أنه طور فرضية ديكارت من خلال القول بمفهوم التركيب أو التعالي الترنسندنتالي.ما معنى ذلك عتد كانط؟
بالنسبة للكانط أن الوظيفة الأساسيةللعقل هي انتاج المعرفة و الأحكام بخصوص الموضوعات،غير أن العقل لا يمكنه بمفرده انتاج المعرفة، فهو يحتاج للحواس لأنها تنقل معطيات العالم الخارجي على شكل انطباعات مجزأة ، لكل حاسة اختصاصها،و هذه الانطباعات لا
تشكل معرفة ، الا بعد مرورها بملكة" الفهم" ،ما يميز هذه الملكة هو أنها تتضمن بشكل قبلي أو فطري مقولات و مفاهيم على أساسها يتم التوحيد بين معطيات الحسية أو التجريبية في شكل أفكار أو أحكام، فلو قلت أن قطعة الثلج باردة و حلوة و بيضاء و مربعة،فهذا الحكم أو الفكرة تتضمن تركيبا بين الشكل و اللون المدركان بالعين ، و البرودة المدركة باللمس، و الحلاوة المدركة باللسان و الرائحة المركة بالشم.
فالتركيب و الوحدة التي يضفيها الفهم على كل الموضوعات التجريبية أو الحسية تقوده التى استخلاص أفكار و مفاهيم مجردة يطبقها على كافة الموضوعات التي يدركها العقل، و منها الوحدة و السببية.فوحدة شيء ما ليست في الشيء ، و لا تدركها حواسنا في الشيء و انما هي فكرة أو مفهوم يوجد في العقل يطبقه على الشيء، و كطلك السببية، مثلا أن النار محرقة،بمعنى ربط الاحتراق بالنار، فهذا الربط و التركيب و التوحيد هي نشاط عقلي فطري و متأصل في العقل بطبيعته و ليس مستمدا من اكتساب و تعلم أو تجربة،و هذا ما يبرر أن كان كان ديكارتيا. و الأمر الثاني أن كان اعتبر أن قدرة الفهم في توحيد معطيات الحواس و التركيب بينها انما يعود في الأصل الى أن الذات العارفة هي في طبيعتها موحدة، و تدرك موضوعات العالم الخارجي من خلال و حدتها هي كذات عارفة.فلو كانت هذه الذات مجزأة أو كان وعيها لذاتها متقطعا و غير موحد لا يمكنها بالتالي أن تدرك موضوعات العالم الخارجي من خلال مبدأ الهوية أو الوحدة. 

 *************************** الجزء الثالث **********************
بحثنا في الجزء السابق منظور الفلسفة العقلانية لوحدة الوعي بالهوية الذاتية، و كانت الفكرة الأبرز هي أن وحدة الوعي الذاتي تنبثق من مبدأ الهوية الذي يشكل معطى فطري في العقل البشري.
في هذا الجزء الثالث سنبحث وجهة نظر الفلسفة التجريبية مع David Hume دافيد هيوم Jhon Lockو جون لوك. و للإشارة فقط أن النزعة التجريبية كانت تضع المنطلقات و نتائج الفلسفة العقلانة لديكارت على وجه الخصوص موضع شك و تهديم، لهذا برز خصام حاد بين الطرفين طيلة القرن السابع عشر. و من أبرز النقط المركزية التي حاول" دافيد هيوم"David Hume هدمها عند ديكارت هي أن العقل لا يمتلك فطريا مقولات و مبادئ فطرية، و إنما هو بالنسبة للوك مجرد صفحة بيضاء Tabula rosa لا يتضمن أي معرفة فطرية بل كل معارفه هي نتاج للتجربة و الخبرة الواقعية. لهذا سميت هذه الفلسفة بالتجريبية كطرف نقيض للنزعة العقلانية الفطرية لديكارت. لكن ما هو تصورها للوعي الذاتي؟
الوعي النسبة لها هو نشاط يشتغل انطلاقا من الحواس، وليس الوعي شيئا آخر أكثر من استقبال معطيات العالم الخارجي و إدراكها. لهذا فالمعرفة كلها تبدأ بالحواس. غير أن العقل عبر هذا الإدراك الحسي يخزن معطيات في الذاكرة و يحتفظ بها، و يعيد استعمالها، و يستخلص منها مع تكرارها و الاستئناس بها قواعد عامة و أحكام يوظفها في ببناء تجارب أخرى. مثلا عندما يحترق الطفل بوضعه ليده في النار، و تتكرر التجربة لديه بنفس الشكل و النتيجة، يستخلص حكما عاما بأن النار حارقة. و نفس الأمر بالنسبة لكل المبادئ التي يعتقد ديكارت أنها فطرية في العقل هي بالنسبة ل"دافيد هيوم" مجرد نتائج مستخلصة من التجربة و تم اعتبارها فطرية لأنها متأصلة مند القديم في المعرفة البشرية و تم ثوارثها من جيل إلى جيل حتى أصبحت بدو لنا على أنها فطرية، و الواقع أنها مجرد نتائج تجريبية.
بالنسبة للوعي الذاتي أن أول مستوى له هو إدراك الجسد، فالطفل يشرع في التعرف على أطراف جسده بالتدريج، بعد ذلك يشرع في إدراك المكان و المحيط، ثم العواطف و الحالات التي يعيشها و هكذا بالتدريج. لكن لو سألنا أي شخص عن ماضيه و الأوضاع التي عاشها، أو عرضنا عليه صورا لأحداث و أشخاص سيقول أنه هو نفس الشخص الذي يوجد في كل الصور و الأحداث. كيف يحصل هذا؟
أولا يتعرف الفرد على صورته في المرآة، و يكتشف بالتجربة أن المرآة تعكس صورة الأشياء كما هي، لأنه قد يضع أمام مرآة أي شيء يعرفه و يكتشف أن صورة الشيء مطابقة للشيء الذي يراه، فالطفل يخزن صورة وجه و شكله في ذاكرته. و قد يحصل أن الطفل يتعرف على نفسه من خلال الصور حيت يحرص الوالدان على أن يتفرجوا مع أبناءهم على الصور و يشرحونها و يعلقون عليها. فالطفل ينجز مقارنة بين الصورة التي خزنها في ذاكرته مع صورته الحالية ليستنتج أنه نفس الشخص، و بالتالي يدرك وحدة هويته، باعتباره نفس الشخص الذي يوجد في جميع الصور. فالطفل يكتسب تحديدا لهويته من خلال تجربته الواقعية و المعيشية. إن هذا الصورة التي خزنها الطفل في ذاكرته تمنحه شعورا داخليا بهويته، و حكما على ذاته، يمكنه بعد ذلك بالنطق بأناJe ككيان مستقل و متميز عن باقي موجودات العالم. و يسصبح بامكانه أن يقول دائما أنه نفس الشخص أو أنا.
كما أن الطفل يخزن أحداثا و مشاعر أليمة أو مفرحة في ذاكرته و يدرك أنها كانت قوية بالنسة اليه، و هي لا تزال كذلك في ذاكرته فعندما يعيش أحداثا مشابهة لها في الحاضر يدرك أنه نفس الشخص الذي عاش تلك المواقف. و عبر هذه التجارب كلها ينمو لدى الطفل شعور بوحدة ذاته عبر المراحل الزمنية و العمرية و عبر التجارب و المواقف, فالوحدة التي يتمتع بها الوعي الذاتي هي ناتجة في نظر جون لوك عن شعور للمخيلة بما هي ملكة حفظ الذكريات و الأحداث و استحضارها و التركيب بينها.
يعتمد "جول لاشولييه "Jules Lachelier على موقف النزعة التجريبية ليقدم دلائل تؤكد أطروحتها في مواجهة العقلانية الديكارتية، حيث يرى "لاشولييه" أن شخصا تعرضا لحادث أو ضربة قوية على الرأس أو أصيب بمرض "الزهايمر" و فقد ذاكرته لأنه لن يستطيع أن يتعرف على ذاته، و لن يقدر على إدراك وحدة ذاته في حاضرها و ماضيها، بمعنى أخره أن الوعي الذاتي يصاب بعطل، أو أنه يصبح جزئيا. إن فاقدي الذاكرة لا يتعرفون على أنفسهم. هذا يدل في نظر" لا شولييه" أن أساس الوعي بوحدة الذات هو نشاط الشعور الذي ينبثق من الذاكرة التي تحفظ الصور و المواقف و يركب بينها.
بشكل عام تفترض النزعة التجريبية أن الوعي الذاتي بالهوية منبعه هو الشعور باعتبارها نشاطا للمخيلة التي توظف معطيات الذاكرة

بعد أن تعرفنا على قيمة الوعي بهوية الذات من منظور الفلسفة الحديثة، أي الفلسفات التي سادت ابتداء من القرن السابع ، و هي الفلسفة الديكارتية، و الفلسفة التجريبية الانجليزية، و الفلسفة الكانطية الالمانية التي كانت تسعى الي ايجاد ارضية مشتركة بين ديكارت و دافيد هيوم." نود في هذا الجزء الرابع أن نعرض بنوع من التفصيل لبعض المواقف المعاصرة

خصوصا موقف كل من "ارتر شوبنهاور" و "هنري يرجسون".و إن كان من الصعب تصنيفها في مدارس فلسفية واضحة.

بالنسبو لبرجسون هو فيلسوف فرنس عاش في بداية القرن العشرين، و اطلع على باقي الفلسفات السابقة، مع اطلاع جيد على نتائج العلوم النفسية، مما جعل أغلب تصوراته قريبة من الفلسفة و العلوم الانسانية و الايمان الروحي.الوعي بالنسبة لبرجسون هو ما يحدد الانسان ككائن واع، لكن كيف يصل الانسان الى الوعي بذاته؟ يرى برجسون أن الوعي يتشكل من خبرات و تجارب معيشة و مباشرة في الزمان، يعيشها كل واحد منا في اليومي الذي نغرق فيه و يكون تلك الحياة التي نحياها في كل لحظة.فالخبرة التي تتشكل لدينا نحصلها في الذاكرة بما هي ذلك السجل الذي يستوعب كل نعيشه.غير أن ارسطو يميز في الانسان عن الحيوان بنوعين من الذاكرة،الحيوان لا يتمتع بالشعور بما هو ارادة في التذكر و ربط بين الاحداث و الذكريات، فالحيوانات لا تتذكر بارادتها لأحداث بعينها، أما الانسان فبامكانه أن يتذكر أي حدث معين و في أي وقت، كما يمكنه أن يربط بين الذكريات ليصنع منها سيرة أو قصة أو عملا فنيا.

يعرف برجسون الذاكرة بأنها الحاضر الراهن و قد مر الى الماضي،فأنا لا اتذكر الحاضر لأنه هو ما أنا بصدد عيشه، لكن عندما يمر الزمن ينسحب الحاضر الى الماضي و يصبح عبارة عن ذكريات يمكن استحضارها.فما أتذكره سوى الماضي، و استدعيه من ماضيته نحو الحاضر كما لوكان الأمر أشبه ببعث .لكن التذكر باعتباره شعورا أو نشاطا من انشطة االمخيلة يقوم أساسا على الربط بين الماضي و الحاضر و المستقبل.كيف ذلك؟

عندما أتذكر أاستدعي ما هو ماض لأحضره الى الزمن المباشر لحياة و هو الحاضر ، لأجل المستقبل،و هنا تكون زمنية الحياة متصلة و متدفقة آتية من الماضي و تعبر الحاضر نحو المستقبل. من هنا نخلص الى أن الوعي عند برجسون هو شعور متدفق عبر الديمومة  ، أو الزمن المتصل للحياة.فأنا أدرك أنني ذلك الذي كان في الماضي طفلا، و من هو الآن في الحاضر ، و من سيكون في المستقبل.

لكن من أين استمد هذه القدرة على الشعور التي تسمى الوعي بالذات؟ بالنسبة لبرجسون أن الوعي هو نشاط حدسي مباشر ، بمعنى ادراك لا يعتمد على أي وساطة سواء كانت الحواس أو التفكير، فأنا لا افكر ان كنت أنا هو أنا الآن أو ماكنته سابقا،بل هناك شعور أجده في وعيي يقول لي أنني أنا هو أنا، و لا يقول لنا برجسون هل هذا الشعور الحدسي المباشر هل هو فطري أم غير ذلك.و لكن كل ما يقوله هو أنه بدون ذاكرة لا يمكن لهذا الحدس أن يتحقق.و هذا ما يقترب من القول بأنه مكتسب بحكم أن الذاكرة هي حصيلة خبرات و أحداث، لكن برجسون لا يصرح بذلك

استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=