مقالات تربوية

مقالات تربوية، بتعاون مع الأديبة اللبنانية ماري القصيفي

♠ ماري القصيفي

الريحانيّة، بعبدا، لبنان.

شاعرة، روائية، صحفية، و أستاذة لغة و آداب عربي.

صدر لها عن دار مختارات: لأنّك أحيانًا لا تكون (2004)، رسائل العبور (2005)، الموارنة مرّوا من هنا (2008)، نساء بلا أسماء (2008)- وعن دار سائر المشرق: كلّ الحقّ ع فرنسا (رواية -2011- نالت جائزة حنّا واكيم) - أحببتك فصرت الرسولة (شعر- 2012) - ترجمة رواية "قاديشا" لاسكندر نجّار عن الفرنسيّة (2012) - ترجمة رواية "جمهوريّة الفلّاحين" لرمزي سلامة عن الفرنسيّة (2012) - رواية "للجبل عندنا خمسة فصول" (2014)، بالإضافة الى سلسلة مقالات في أغلب الجرائد اللبنانية.


marie4

 
وزارة التهذيب والتعليم... لا التربية والتعليب
 

التربية في اللغة تعني التهذيب... فالمربّي هو المهذِّب! 

والتثقيف في اللغة هو تقويم الرمح، واستعير المعنى لتهذيب النفس، أي تقويم اعوجاجها.  

لن ندخل أكثر من ذلك في معاني الكلمات المتعلّقة في مجال التربية والتعليم والتثقيف، كي لا نحيد عن جوهر الموضوع، وهي التمييز والربط (في وقت واحد) بين التعليم والتربية والثقافة.

 

لا يعرف أكثر القيّمين على شؤون التلامذة كيف يفصلون في المعنى والتطبيق بين التعليم والتربية. أو على الأقلّ لا يعرفون كيف يحوّلون النظريّات التي تعلّموها واقعًا معيوشًا، لا صراع فيه على صلاحيّات، يذهب المتعلّم ضحيّتها كيفما انتهت الأمور.

التربية تسبق التعليم. لذلك فاسم الوزارة المعنيّة عندنا مثلًا هو وزارة التربية والتعليم العالي. كأنّ المقصود القول أنّ ثمّة ما قبل التعليم الجامعيّ "العالي" مرحلة طويلة من الإعداد النفسيّ والجسديّ والعقليّ والروحيّ والاجتماعيّ... لجعل التلميذ حاضرًا للانتقال إلى مرحلة طلب العلم، فيصير طالبًا جامعيًّا. لذلك فإعداد شخصيّة التلميذ في مرحلة الدراسة ما قبل الجامعيّة أهمّ من كمّية المعلومات التي يملأ بها رأسه. وفي هذا العصر تحديدًا صارت التربية أكثر أهميّة مع انتشار المعلومات عبر الإنترنت ووسائل التواصل والإعلام والإعلان... فمن السهل أن يجد التلميذ معلومة لكن من يعلّمه أو يربّيه على استخدامها في سبيل خيره وخير البشريّة جمعاء.

ليت في الإمكان التخلّي عن مصطلح التربية لصالح مصطلح التهذيب... تهذيب النفس والعقل وتعويدهما على الجمال والحقّ والخير والمحبّة وطلب المعرفة. أو ليت في الإمكان إلغاء تعبير "تربية الحيوانات"... لنفصل في اللغة العربيّة أوّلًا وتحديدًا بين تهذيب الإنسان والاهتمام بالحيوانات... وإلّا اختلطت الأمور وكُرِّم الحيوان وأهين الإنسان...

التهذيب يعني في ما يعنيه الاحتفاظ بالشخصيّة الأساس (للمتعلّم)، ثمّ العمل على تشذيب (كما نفعل مع الأشجار) الزوائد والشوائب التي تعيق النمو... فما من مزارع يشذّب شجرة أو نبتة فيقضي عليها... إلّا كان جاهلًا ... ولا مكان للجهل مع العلم...

الضبابيّة التي تحيط بهذه المسألة تضع العمل في الشأن التربويّ والتعليميّ في متاهة كبيرة، تلهي العاملين عن الاهتمام بالتلميذ لأنّ الجميع مشغول بالبحث عن مَخرج. ولا ينفع الاستشهاد بالنظريّات عند التطبيق إن لم تكن الأرضيّة مهيّأة لتلقّي هذا الكمّ من المعلومات التربويّة والتجارب التعليميّة. فلو استغلّ المدير التربويّ وقته في إعداد الأرض حول الأشجار تاركًا للمهندس الزراعيّ أي المسؤول عن الموادّ التعليميّة أن يمدّها بعصارة خبرته... ولو وضع المسؤول عن المادّة معلوماته في خدمة العمل الفريقيّ، لكانت ثنائيّة العمل أنتجت مواسم خيّرة واعدة، تتدفّق فيها عصارة العلوم والآداب والفنون والرياضة دمًا جديدًا اسمه الثقافة.

نأتي هنا إلى ما يسمى بالأسبوع الثقافيّ الذي باتت المدارس تتنافس في الإعداد له والتباهي به ونشر أخباره في الصحف. الأسبوع الثقافيّ ليس أمرًا منزلًا، أو طارئًا، أو غريبًا، يُقحم إقحامًا في الجسم المدرسيّ. بل هو نتيجة مسيرة تبدأ الخطوة الأولى منها في أوّل يوم وصل فيه التلامذة إلى المدرسة مع بداية السنة... لتنتهي رحلة الألف ميل في أسبوع يأتي تلقائيًّا، وعفويًَا، وطبيعيًّا، بلا بهرجة مخادعة أو مهرجانات صاخبة أو فورات غضب أو تنافس أو تسابق أو توتّر أو تعب أو عتب... وإلا ضاع الهدف الأوّل منه وهو تثقيف النفس أي تهذيبها. 

لعلّنا في أمسّ الحاجة إلى ثورة تربويّة، لا ترى بين تربية الأولاد وتربية الحيوانات الأليفة شبهًا ولو بسيطًا، ولا تجعل التعليم على قياس مسؤول أو معلّم أو مراقب أو مناظر، ولا تخاف من التغيير والتحديث والاعتراف بالخطأ، ولا تدّعي الكمال أو نهائيّة المبتغى...

ومن نافل القول التأكيد على تداخل المفهومين، فالمعلّم مربٍّ والمربّي معلّم. ولكن عند التطبيق نجد من الضروريّ فصل المسارين لإعطاء كلّ ذي وظيفة حقّه.فالتربيةتساهم في تحضير التربة حول المتعلّم الذي يمكن تشبيهه بشجرة يانعة. أي إنّ مدير المدرسة يهيّئ الفريق التربويّ في مدرسة ما كمزارع يختار التربة الصالحة لاحتضان هذه النبتة أو تلك، أي إعداد كلّ ما يسمح للمتعلّم بتلقّي العلم: نظام، نظافة، هدوء، إضاءة، مراقبة الشأن الصحّي، حسن سير المنهج، توزيع برنامج الامتحانات، تنسيق الأنشطة، مراقبة الملعب، العلاقة مع الأهل... فيأتيالفريق التعليميّ(منسّقون ومعلّمون) ويضع في هذه التربة، عند جذع النبتة وجذورها الغذاء الضروريّ والمناسب، ويعالج أمراض ضعفها، كي تستقيم حياتها، فيمدّها بالغذاء والمياه، لتنمو النبتة  بثبات وعافية، وتصير شجرة يجري نسغالثقافةفي جذعها وأغصانها وأوراقها وثمارها... بعدما حوّلت ما في التربة وما أعطيت من عناية إلى عصارة حياة.

فلا تضارب مصالح ولا نزاع على السلطة، ولا تدخّل أحد في شؤون أحد، بل تعاون وتكامل من أجل تأمين بيئة سليمة ينمو فيها المتعلّم/ الشجرة.
فإن كان المدير التربويّ/ الإداريّ يعمل بشكل أفقيّ على مستوى القسم الذي يدير شؤونه، ومنسّق المادّة يعمل بشكل عاموديّ من أصغر الصفوف إلى أعلاها... فليس كي تُصلبَ المدرسة على تقاطعهما...   

وما من موضوع محدّد للأسبوع الثقافيّ... فالثقافة التي تتنوّع تعريفاتها، ويختلف الفلاسفة والدارسون والمفكّرون في تحديدها، يمكن وضعها في أبسط وجوهها مع المتعلّمين في المدارس... أي هضم ما تعلّموه ليصير جزءًا منهم... فالثقافة لا تميّز بين علم وأدب وتاريخ وفنّ وجغرافيا... ولا فضل فيها لمادّة على أخرى، ولا هيمنة للغة على سواها، بل انصهار كليّ في بوتقة واحدة اسمها المتعلّم، هو في البداية والنهاية نقطة ارتكاز العمل التربويّ وغايته. 

ثورة تربويّة لا تقديس فيها لمعلّم، ولا خوف من أهل تلميذ، ولا صنميّة لمنهج، ولا تبعيّة ولا تقليد...  

ثورة تربويّة تمقت "الدروس الخصوصيّة" وتعاقب مرتكبيها، 

ثورة تربويّة تجعل التلميذ يرغب في المدرسة لا راغبًا عنها، 

ثورة تربويّة تعيد الاعتبار للشعر على أنّه لغة الله، وللأرقام على أنّها وسيلة لفهم العالم والتفاهم معه لا غاية تُبرّر الوسائل من أجلها، 

ثورة تربويّة تسعى لتهذيب عقول الناشئة لا لتذهيب إطارات الشهادات...
ثورة تربويّة ضدّ الظالم أيًّا تكن طائفته وجنسيّته، ومع المظلوم إلى أن يحصّل حقوقه... 

ثورة تربويّة من أجل تعليمٍ لا تنتهي صلاحيّة استخدامه لا الاكتفاء بتعليبِ أفكار وعقول في كبت التحجّر والخوف... 

ثورة تربويّة شعارها الحوار لا التلقين، التقدّم لا النجاح، التعلّم لا العلامات، الفهم لا الدرس، الاكتساب لا الامتحان، الغناء لا الببغاء... 

وبغير ذلك... يبدو مشوار التغيير طويلًا وشائكًا ومرويًّا بدموع أطفال يرون المدرسة سجنًا... فينتقمون منها عند التخرّج، تكسيرًا وتخريبًا... 

  

"ماريو ما سقط!"

أو أزمة التقويم المدرسي


معلّموه هم الذين سقطوا، والمناهج التعليميّة هي التي سقطت، وطموح الشباب هو الذيسقط!
فكيف يعقل أن يرسب شاب يعزف الموسيقى على البيانو ببراعة وإحساس، ويؤلّفمعزوفات آتية من عالم جميل لا علاقة له بعالمنا، ومسؤولٌ ثقة في الحركة الكشفيّة،بفارق ربع علامة كان ينقصه لينجح في امتحاناته؟
وكيف تريدون أن نصدّق أنّ ماريو،التلميذ الذي ساعد زملاءه في الصفوف الثانويّة الأولى في الرياضيّات، وتعامل معالكومبيوتر كلعبة يفكّك أوصالها ويعيد تركيبها وهو مغمض العينين، لا يستطيع أن يعودإلى البيت بشهادة نجح في الحصول عليها كثيرون لا يملكون قدرات ذهنيّة وفنيّةوأخلاقيّة ورياضيّة كالتي يملكها؟
غير أنّ مشكلة ماريو في مكان آخر، فهو تلميذتعلّم على نفسه، واستطاع أن يحصل بجهده الخاصّ على العلامات التي نالها وكان علىمعلّميه أن يؤمنّوا له ربع علامة فقط ولكنّهم لم يفعلوا... فهذا التلميذ كان يزعجهمفي الصفّ لأنّه كان يسأل كثيرًا! كان تلميذًا من صنف غريب، مختلفًا عن الآخرين،بعيدًا عنهم وقريبًا منهم في الوقت نفسه. والمؤسف أنّنا حين نقول ذلك يذهب تفكيرنامباشرة إلى اختلاف مرضيّ ينمّ عن عجز أو إعاقة.
لا. ماريو كان مختلفًا لأنّه كانيريد أن يفهم أكثر، أن يسأل أكثر، أن يجيبه المعلّمون عن أسئلته من دون سخرية أوتأنيب ومن دون أن يدّعوا أنّهم لم يروا يده المرفوعة أو لم يسمعوا سؤاله. لا بل إنّمشكلة ماريو الأساسيّة إيمانه بأنّ المدرسة وجدت لذلك، لأمثاله من الذين يسألونليفهموا لماذا وكيف ومتى وما الهدف. ولكنّ المعلّمين الذين وقع بين أيديهم كانوادائمًا مستعجلين ويريدون إنهاء البرنامج "قبل ما يصير شي" و"قبل ما تشوّب الدني". ولذلك كان هذا التلميذ مزعجًا بالنسبة إليهم، فلا هو يقتنع بسرعة بما يقال له كسائرالمجتهدين، ولا هو "يطنّش" أو ينام كالكسالى، لذلك صاروا يقولون عنه: متفلسف،مغرور، مستواه ضعيف، ينقصه الكثير من المعلومات، مشكلته نفسيّة. إذًا كيف وصل هذاالشابّ إلى الصفّ النهائيّ واختار العلوم العامّة حيث الرياضيّات والفيزياءوالكيمياء هي الموادّ الأساسيّة ذات العلامات العالية، وأصرّ فضلاً عن ذلك علىتقديم الشهادتين اللبنانيّة والفرنسيّة؟
أين الخطأ؟ هل هو في المناهجالتربويّة أم في المدارس نفسها؟ هل هو في المعلّمين أم الأهل أم التلميذ؟ وأينالخلل حتّى أنّ تلميذًا ذكيًّا واجتماعيًّا ولا يعاني من أيّة مشكلة صحيّة أونفسيّة أو عائليّة أو ماديّة، وأثبت نجاحه في كلّ المجالات التي شارك فيها، يرسب فيامتحان البكالوريا الفرنسيّة بفارق ربع علامة؟ ولنفرض أنّ هذا الشابّ يعاني صعوباتفي اكتساب المعلومات بالسرعة المطلوبة، فماذا فعل المسؤولون عنه لتذليل هذهالصعوبات؟ وما هي الوسائل المساعِدة والتوضيحيّة التي اعتمدتها المدرسة لإيصالأمثاله إلى النجاح في اطمئنان وأمان؟ وهل تلحظ المؤسسّات التربويّة عندنا أساليبعلميّة لمساعدتهم في حلّ مشكلتهم إن صحّ أنّ ما هم فيه مشكلة؟ وكيف نريد من ماريوبعد اليوم أن يبقى على ثقته بنفسه حين يعزف على البيانو (كم عزف في حفلات المدرسةوكم حصد التصفيق!)، أو حين يتحمّل مسؤوليّة الأولاد الذين يرافقهم في الرحلاتالكشفيّة، أو حين يطلب منه أحد الأصدقاء أن يصلح له جهاز الكومبيوتر؟ ومتى ستجرؤالمؤسّسات التربويّة على الاعتذار من الأهالي حين يرسب أولادهم قائلة: نأسف لأنّنافشلنا في إيصال أولادكم إلى النجاح الذي يستحقّونه؟ ومتّى سيكفّ المعلّمون عن الخوفمن عدد الدروس لا على منهجيّة التعلّم والاكتساب؟ ومتى سنتوقّف عن النظر إلىالتلامذة، كلّ التلامذة، على أنّهم فئران في مختبر أساليبنا التربويّة المستوردةمرّة من فرنسا، ومرّة من إنكلترا، ومرّة من الولايات المتحدّة الأميركيّة، ومرّة منكندا، ومرّة من مجموع هذه البلدان، وسواها، دفعة واحدة، أو على التوالي حتّى يحارالتلميذ كيف يحكم على نفسه أو كيف يتصرّف؟ وأين دور التوجيه الدراسيّ والمهنيّالخبير والمتخصّص في رصد توجّهات التلامذة وإرشادهم إلى حيث ينجحون ويحقّقونأنفسهم؟
ماريو! أو أيًّا يكن اسمك! مبروك عليك النجاح، لقد استطعت بجهدكالشخصيّ أن تحصّل العلامات التي نلتها، أمّا ربع العلامة الناقص فهو مجموع ماتساويه دروس معلّميك خلال مرحلة دراستك، وخلال الأعوام الطويلة التي أمضوها فيالتعليم!
 

 

غياب المدرسين عن الصفوف: حاجة أم ترف؟


لا نستطيع أن نفصل التربية عن المجتمع، وليس من المنطقيّ أن نطلب الشيء وعكسه من الناس، وخصوصًا حيث يتمّ تعليم المنطق، أي المدرسة.
     ففي مجتمعنا اللبنانيّ مثلًا، وهو نموذج عن المجتمعات العربيّة، ولو مع بعض الاختلافات، يُطلب منّا، خصوصًا في المدارس الملتزمة دينيًّا، أن نعلّم احترام العائلة، ومواساة المحزون، وعيادة المريض، وإنجاب الأولاد ورعايتهم. لكن إن حدث وتغيّب معلّم أو معلّمة عن الصفّ لأحد هذه الأسباب، تقوم القيامة وينسى الجميع تعاليم الإنجيل والقرآن، ويصير ضبط الصفّ هو الهدف الأسمى ( لا التعليم ولا التربية، بل ضبط الصفّ بأيّ ثمن).
     لا يغيب عن بالي وأنا أكتب هذه الأسطر أنّ هناك من يدّعي المرض، ومن يميت أقرباءه، أي من يستغلّ ذلك للتهرّب من العمل. لكن، كم يمكن أن يدوم ذلك ويتكرّر مع الشخص نفسه، وبالتالي من السهل كشف الكذب والخداع، خصوصًا أنّ مجتمعنا ضيّق ولا تخفى شاردة ولا واردة.
     
     تبقى مسألة مرض المعلّمين، وهي ذات وجهين: التوعّك الفجائيّ، والمرض الطويل الأمد.
 
في الحالة الأولى، يجب أن تحسن المدرسة تحضير برنامج طوارئ مفيد وناجع ولا يربك سير الأمور. وهنا يمكن الاستفادة من أنشطة في المكتبة والمسرح والملعب لا ترتبط بمحور أو درس أو لغة، بل تتناول كلّ ما له طابع الثقافة المتنوّعة، كالسينما والتلفزيون والموسيقى والأغنيات والمباريات، بل ما الذي يمنع من تخصيص غرفة للرقص، نعم للرقص الحرّ، فليرقص التلامذة المتخشّبون وليحرّكوا أجسادهم ولينفّثوا عمّا في داخلهم، مهما كان نوعه. وهذا يتطلّب إعداد القيّمين على المسرح والمكتبة والنظّار، ليحسنوا ضبط الأمور وإدارة الصفّ، فلا يحدث التلامذة ضوضاء تزعج الصفوف الأخرى، وفي الوقت نفسه، يستفاد من غياب المعلّم أو المعلّمة، لتعويض نقص ثقافيّ، فضلًا عن إمكان تمرير دروس شفويّة في التهذيب واللياقة وحسن التصرّف... المهمّ ألّا تكون وظيفة الناظر بوليسيّة تقضي بالمراقبة والتأنيب ورفع التقارير وإنزال العقوبات... فالتربية شأن جماعيّ يبدأ من مدخل المدرسة إلى كلّ زاوية من حرمها.
في الحالة الثانية، أي عند الغياب الناتج عن مرض قد يتطلّب التعافي منه وقتًا طويلاً،  لا بدّ من اتّخاذ إجراء آخر طبعًا، يقضي بتعيين بديل فوريّ. وهناك قوانين تضبط هذا الأمر تختلف بين مدرسة وأخرى وبلد وآخر، وهذا ليس موضوعي الآن.
خبرتي في المدارس جعلتني شاهدة على مواقف سخيفة، تبدو فيها الإدارة عاجزة أمام غياب شخص واحد، وليوم واحد، عن جعل حصص التعليم ذات فائدة... فتضطرّب الأمور، ويختلط الحابل بالنابل، ويعلو الصراخ، وتتوالى الاتصالات الهاتفيّة: يا إلهي! فلانة غائبة! ماذا نفعل؟ كيف نتصرّف؟ ماذا سيقول الأهل؟ ماذا نفعل بالأولاد؟ ماذا نعلّمهم؟
     ماذا نعلّمهم؟ ماذا نعلّمهم؟
    يا جماعة التربية! هؤلاء الأولاد يحتاجون إلى كثير من المعارف والمعلومات وطرائق التفكير والتحليل، والتعليم لا ينتهي. فكيف لا يجد شخص بالغ، مربٍّ، ما يقوله لأطفال أو مراهقين، خلال خمسين دقيقة أو مئة دقيقة؟ أو حتّى ما يفعله معهم؟ 
     تنظيف الصفّ وترتيبه...
     تزيين الألواح الجداريّة...
    المجتهدون يساعدون الأقلّ مستوى منهم...
    الرسم....
    عرض مواهبهم الغنائيّة والتمثيليّة...
    زيارة الحديقة...
 
    غياب المعلّمين حاجة تفرضها ظروف المرض (مرضهم أو مرض أي فرد من أفراد العائلة)، أو الموت وتقبّل التعازي... وإن لم نسمح للمعلّم بأن يكون إلى جانب عائلته وأهله فلن يكون إلى جانب أولاد الآخرين...
     هل يكثر أحدهم من الغياب من دون عذر؟ فتّشوا عن علاقته بالإدارة، أو افرضوا غرامة ماليّة على كل يوم غياب غير مبرّر... لكن حرام أن نظلم الجميع، وعيب أن يبدو غياب معلّمة أو معلّم كارثة تربويّة لا أحد يعرف كيف يواجهها.
 
     على فكرة، لا شيء يمنع المدراء والمسؤولين والموظّفين ورؤساء الأقسام من المساعدة، وذلك قبل أن تُطلب المساعدة من الأهالي المتطوّعين، وهي فكرة لها محاذيرها في مجتمعنا، حيث أنّ بعض الأهل يحتاجون هم أنفسهم إلى تربية...

 

بقلم الأديبة ماري القصيفي



 
حين أكتب عن نجاحات تلامذتي السابقين، ثمّ عن أفراحهم بالزواج والأولاد، أهتف: يا إلهي! هل مرّ الوقت بهذه السرعة! لكنّي  حين أكتب عن رحيل أحدهم أشعر بالتقدّم بالعمر والعجز ... وأكاد، أكاد أشعر بما يشعر به أبوان يفقدان أولادهما واحدًا بعد الآخر...
      خلال أكثر من عشرين عامًا من العمل التربويّ تحت أصوات القذائف ورماد الحرائق، وبين رصاصة وأخرى، فقدت عددًا من التلامذة، بسبب المرض أو حوادث السير أو الإصابة في الحرب أو الانتحار... ودائمًا شعرت بالتقصير كأنْ كان في إمكاني أن أقول كلمة تغيّر مجرى حيوات كثيرة شهدت على يناعة عمرها وهشاشة صمودها...
     واليوم وأنا أكتب عن رحيل لارا، الدكتورة لارا، الهادئة اللطيفة، وحيدة والديها، والدة طفليها، أكتب عن رحيل عمر وزمن ومرحلة وابتسامة...
     كانت لارا مع أترابها الزملاء من أوائل التلامذة الذين نسجت معهم، بسبب عمريَ الفتيّ، عهدذاك، علاقة فيها الكثير من جديّة التعليم ولكن فيها الكثير من الأحلام والمشاريع والمخطّطات والرحلات... لذلك بقي كثيرون منهم أصدقاء حتّى اليوم، وإن أبعدتهم ظروف البلد إلى خارج البلد...
     كانت الحرب قائمة، حين اصطحبت لارا وزملائها إلى مهرجان الكتاب في إنطلياس، وكان ذلك يوم عيد المعلّم... وكانت المفاجأة أنّ تلامذتي أهدوني مجموعة أنسي الحاج التي صدرت عامذاك "كلمات كلمات كمات"، لأنّهم يعرفون أنّني أحبّ أدبه، ولأنّني كنت أضع نصوصه بين أيديهم ليعملوا فيها دراسة وتحليلًا...
     وكلمات أنسي الحاج التي تزيّن مكتبتي حتّى الآن بالإهداء اللطيف والجميل، تعيد تذكيري بما كنت أردّده لتلامذتي دومًا: نقرأ لنحيا، ونكتب لنبقى...
     ولارا التي انضمّت البارحة إلى عالم أنسي الحاج، باقية مع كلماته في بالي وقلبي... وكنت، مذ عرفت بصراعها مع المرض، تابعت أخبارها من بعيد، بواسطة أصدقائها، عازفة عن محاولة سؤالها أو سؤال والدتها "جاين" التي كانت زميلتي في التعليم، عن تلك المعركة الرهيبة التي تخوضها الطبيبة اللامعة مع سرطان تعرف خبثه ولؤمه وكيف يجد وسائل ينتشر عبرها في الجسم.
     ولكن بقدر حزني على لارا ، أحزن لأنّ طفليها لن يتذكّرا كم كانت أمّهما هادئة ودائمة الابتسامة وذكيّة وشفّافة ومثقّفة، وأجزم بأنّ المرض لم يهزم شخصيّتها القويّة ولا روحها الأنيقة... وحزينة أكثر على ثكل والدة نذرت عمرها لوحيدتها، وعلى مرارة والد كان يتمنّى لو افتداها بعمره...
    اليوم شعرت بالعمر الذي مضى، شعرت بالموت يقترب تفجيرًا بالأطفال، وسرطانًا يقتات من خلايا الجسد، وقهرًا حين نكتشف هشاشة ما نحن فيه وعليه...
  ركض ركض ركض... كلمات، كلمات، كلمات... نركض لنصير كلمة في قاموس المعنى، وننسى أن نعيش...
     لكنّ لارا عاشت وهذا ما أراه في ابتسامتها وهي تواجه المرض مسلّحة بالحبّ... وهذا ما تعلّمته منها بعدما صيّرتها الشجاعة على مواجهة الألم معلّمتي، بعدما كانت تلميذتي...

مدرسو اللغة و أدب لا يطالعون


قد لا يوافقني الرأي أكثر الناس غير أنّني مقتنعة بأنّ التعليم هو أقدم مهنة في تاريخ البشريّة، حتّى المهنة التي يعتبر الناس أنّها الأقدم كانت تحتاج إلى من يعلّم قواعدها وأساليب ممارستها وأنواعها وفنونها، ومع ذلك لا يزال التعليم مهنة مجحفة في حقّ ممارسيها، تأخذ منهم الكثير ولا تعطيهم شيئًا.
ففي المهنة التي تتطلّب مختلف أنواع المعرفة يعجز المعلّم عن مواكبة حركة الثقافة والاطّلاع على أحدث النظريّات التربويّة وذلك لأنّ راتبه لا يسمح له بالحصول على مصادر هذه الثقافة والنظريّات، والمؤسّسات التربويّة، أحكوميّة كانت أو خاصّة، لا تؤمّنها له. وهكذا يكتفي المعلّم بشرح ما في الكتاب المدرسيّ، ولا يستطيع الخروج إلى ما هو أبعد من دفّتيه. ولا نعجب بعد ذلك إن قيل لنا إنّ التلاميذ باتوا يتفوّقون على معلّميهم في سرعة الحصول على المعلومات وفي الانخراط في حركة العالم السريعة ولو على حساب التعمّق في الفهم والغوص في المضمون للبحث عن الجوهر. هذا فضلاً عن إمكانات ماديّة تسمح لتلميذ من طبقة اجتماعيّة ميسورة أن يتفوّق على معلّمه صاحب الراتب المحدود. ويحضرني في مناسبة هذا الكلام ما جرى مع معلّمة تريد أن تعلّم تلاميذها كيف يكتبون نصًّا إنشائيًّا عن السفر يصفون فيه الطائرة ومغامرات الرحلة. وما أن بدأت المسكينة بالشرح حتّى اكتشف أكثر التلاميذ أنّ معلّمتهم لم تسافر ولو لمرّة واحدة ولا تعرف شكل الطائرة من الداخل ولا كيف تتمّ معاملات السفر، فبدت أمامهم في موقف سخيف لا تحسد عليه في وقت كان أحدهم يخبرها عن عدد السفرات التي قام بها وهو لا يزال تلميذًا على مقاعد الدراسة.

 120408 hamzaLL

وإذا كان السفر ترفًا لا يسمح لذوي الدخل المحدود بالحصول عليه، فالمطالعة واجب حيويّ لا تكون مهنة التعليم منتجة ومثمرة من دونه، أكانت المطالعة في الآداب أو العلوم أو الفنون، أم كانت عبر الكتب والمجلاّت أو بواسطة وسائل الإعلام الحديثة. 
فهل يعقل أن يعلّم أحد المدرّسين اللغة العربيّة في إحدى كبريات المدارس في حين أنّ آخر كتاب طالعه كان زمن تتلمذه على مقاعد الدراسة؟
إنّ تعليم لغة ما لا يقتصر على معرفة قواعد استعمالها أو تاريخها ونصوصها التراثيّة فثمّة ما هو أبعد من ذلك إذ على المربّين أن يعلّموا تلاميذهم كيفيّة مواكبة تطوّرها وصولاً إلى آخر إنتاجاتها. ولا يجوز أن يعترف معلّم بأنّه لا يعرف أيّ شيء عن الإصدارات الحديثة في الشعر والرواية والنقد، أو لا يعرف المواقع الإلكترونيّة التي تنشر نصوصًا ودراسات حديثة، أو لا يطالع الصحف وإن فعل فلا يصل إلى الصفحات الثقافيّة. 
فإذا كان المطلوب من تعليم اللغة العربيّة أن يملأ التلميذ ذاكرته بمجموعة من المحفوظات فذلك أمر لا يحتاج إلى مدرسة، أمّا إذا كان المطلوب هو تقريب ذائقة التلميذ من الأدب والفكر والفنّ فذلك لن يتمّ ما لم توضع بين يدي المعلّم وسائل المعرفة كي لا يكون عذره الدائم أنّه عاجز عن تأمينها. فما الذي يمنع المدرسة من وضع الصحف والمجلاّت الرصينة في متناول المعلّمين؟ وما الذي يعيق المدرسة عن ملء مكتبتها بآخر الإصدارات كي يتعرّف عليها المعلّم ولكي يقوم بالتالي بنقل معرفته إلى التلاميذ؟
الإناء ينضح بما فيه، وإذا أردنا من المعلّمين أن يهيّئوا أجيالاً تهتمّ باللغة والأدب والثقافة، فمن الملحّ أن يمتلكوا هم قبل غيرهم مفاتيح اللغة والأدب والثقافة ليفتحوا الأبواب لتلاميذهم على عوالم الإبداع والجمال والمعرفة.

 


 

   تبدأ سنة دراسيّة جديدة في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وليبيا... سنة دراسيّة جديدة لدروس قديمة
في الرياضيّات والأدب والشعر والعلوم والرياضة والموسيقى...
سنة دراسيّة جديدة... بمناهجَ قديمة ومعلّمين يقولون ما لا يؤمنون به ولا
يشعرون به...
 مناهج قديمة تعلّم أنّ واحدًا زائدًا واحدًا يساويان اثنين، مع العلم أنّ
طفلًا قتيلًا وطفلة قتيلة يساويان مجزرة، وأنّ بيتين مهدومين يساويان عشرات
النازحين والمشرّدين...
 مناهج قديمة مختبرُ العلوم وتشريح الحيوانات المسكينة فيها لا شيء بالمقارنة
مع مشهد ذبح وقطع أعضاء تبثّه وسائل الإعلام العاهرة...
 مناهج قديمة تتباهى بأنّ امرأ القيس - الملك العربيّ الضليل - أوّل من وقف
واستوقف وبكى واستبكى حين أنشد قفا نبكِ، متناسية أنّ أبا نواس - الفارسيّ حفيد
علماء الفلك - حين سخر منه داعيًا إيّاه إلى الجلوس، كان يعرف أنّ ليل البكاء
العربيّ طويل...
 مناهج قديمة تدعو تلامذتها إلى ممارسة الرياضة لأنّ العقل السليم في الجسم
السليم... وتتناسى أنّ الرياضة الوحيدة المطلوبة الآن - للنجاة من الغرق في بحر
الدم - هي الجري إلى أقرب بلد آمن...
 مناهج قديمة تعلّم تلامذتها مناهج اقتصاديّة حديثة، ولا أهل يملكون قيمة
القسط وثمن الكتب...
 مناهج قديمة تعلّم حبّ الوطن لأولاد لا يعرفون الآن أين تبدأ حدود أوطانهم
وأين تنتهي...
 مناهج قديمة تدعو الأولاد إلى عدم قطع الأشجار (قطع الرؤوس مسموح) وإلى عدم
التدخين (حرق الكنائس والمعابد مسموح) وإلى احترام المرأة (بيع النساء مسموح) وإلى
احترام رأي الآخر (اضطهاده مسموح) وإلى احترام جسد الآخر (تعذيب الأسرى مسموح
والتنكيل بالجثث مسموح)...
 
 
lebanon war2
 
 
لا أعرف إن كان ثمّة مدرسة ستبدأ السنة بالوقوف دقائق صمت وصلاة من أجل
الذين غابوا عن مقاعدهم... أو إن كان ثمّة إدارة ستوعز إلى معلّميها كي يتناسوا
المنهج الرسميّ هذه السنة للتركيز على مفاهيم الحقّ والخير والجمال، وللحديث عن
حبّ الحياة لا تقديس الموت، ولمناقشة أمور الفكر والطبّ والشعر لا لحفظ عن ظهر قلب
لا ينتج سوى أغبياء ومكبوتين ومشاريع مجرمين...
 لا أعرف إن كان ثمّة مدير سيقول لتلامذته هذه السنة: الكلام في السياسة
والدين ممنوع، لأنّنا رأينا إلى أين وصلنا بسبب فهمنا الخاطئ لهما... لذلك دعونا
نتكلّم في الفنّ والمسرح والأغنية وآخر علاج لمرضى السرطان...
 لا أعرف إن كان ثمّة وزير تربية سيجرؤ على القول: المناهج التربويّة التي
اعتمدناها أنتجت أفرادًا متفوّقين ومجتمعًا مريضًا... فلنعكس الأمر ولنسعَ إلى
مجتمع متفوّق بأفراد أصحّاء... يقدّسون البشر لا الحجر، يؤمنون بأنّ الكتب أصدق
إنباء من السيوف، في متونها جلاء الشكّ والريب... فلنعلّم تلامذتنا كيف يحاكمون
وسائل الإعلام التي تشوّه نفوسهم وعقولهم... وكيف يناقشون معلّميهم بحريّة
ومسؤوليّة وشجاعة، وكيف ينظرون إلى المنهج كوسيلة، وإلى الشهادة كوسيلة، وإلى
النجاح كوسيلة... كلّها تصبّ في خدمة الآخر...
 ولكن ما أعرفه وأكاد أجزم به هو التالي:
 إن وُجد مدير مدرسة يرغب في كلّ ذلك، فسيواجهه فريق معلّمين لا يجرؤون على
الخروج عن السطر المرسوم في الكتاب، وطغمة أهل يخشون على أولادهم من عدم حمل ورقة
نجاح تطير مع الريح عند أول اختبار حقيقيّ...
 وإن وُجد معلّم يقول لتلامذته: أنتم المقدّسون، لا الجرس ولا الناظر ولا
الامتحان ولا النصّ ولا الكتاب ولا المدير ولا أنا... فسوف يطرد لأنّه خالف الشرع و الشريعة...
 وإن وُجد تلميذ يفكّر في جوقة مردّدين، فسوف يطلب منه الانضمام إلى القطيع
وإلّا فليرحل...
 سنة دراسيّة جديدة؟؟ أكاد أقول سنة دراسيّة أخرى محكومة بمشاهد جديدة للقتل
والذبح والسبي والتهجير والفساد... أمّا موضوع الإنشاء فسيبقى هو هو: صِفْ الطبيعة
في فصل الربيع...
 والويل لمن يأتي على ذكر الربيع العربيّ...
 
 

 


 

 

 



استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=