نقيضات العقل الفلسفي المدرسي

نقيضات العقل الفلسفي المدرسي

 

يتجه هذا المقال إلى فحص طبيعة الروابط بين تعليم الفلسفة و المعارف الحاصلة في تاريخ الفلسفة و الحقل البيداغوجي،  يبد أن هذا الفحص يقتضي بداية مسألة المعرفة و أشكال التعرف التي يشكلها تعليم الفلسفة حول ذاته. تبدو هذه المعرفة من وجهة نظر سيكولوجية متوثرة بين تعارضات داخلية تجعل من الشخصية النفسية و الذهنية لتعليم الفلسفة على درجة عالية من الإزداوجية و الخلل. نستعيرها هنا من نقد العقل الخالص لإيمانويل كانط أدوات هذا التحليل، خصوصا تشخيص نقيضات العقل. و نود أن يكون العقل المدرسي الفلسفي هو موضوع تشخيصنا و النقيضات المستخرجة هي بعض من التمزقات الداخلية لهذا العقل.

النقيضة الأولى:

 على الرغم من تشديـد الدرس الفلسفـي على العلاقة الجوهرية بين التفلسف و الدهشة (الاندهاش)، إلا أن هذا الدرس و أيضا معلمي الفلسفة لا يخضعون ذواتهم لإعادة التفكير، و لا يتوقفون لوضع مسافة بينهم و بين ذواتهم أو ما يمكن تسميته بالعودة إلى الذات. يعشش داخل تدريس الفلسفة يقين دوغمائي غامض يتغذى من جهة على الثقة الزائدة في الذات التي تعبر عنها الوثائق الرسمية و البرامج و تكنولوجيا الديداكتيكا، و من جهة ثانية على التعارض القائم بين العلم الفلسفي و الرأي ( الدوكسا)؛ و هذا التعارض يخدم بشكل غير مباشر اليقين بسمو المعرفة الفلسفية، و شرف درس الفلسفة، و صدقية أفكار معلم الفلسفة إزاء متعلميه و أفراد المجتمع بشكل عام، لكن هذا التعارض و إن كان مفيدا في الحصول على متعة نرجسية إلا أنه في الواقع يجعل الدرس الفلسفي يخسر قضيته و أهدافه.

النقيضة الثانية:

الدرس الفلسفي هو أولا درس مدرسي، و مادة تلقن للتلاميذ إلى جانب مواد أخرى، و لا يتوقف هذا الدرس عن تمجيد ذاته باعتباره تتويجا للمسار الدراسي للتلميذ في التعليم الثانوي، و شكلا كاملا (أنطلاشيا) لوجود ما هو بالقوة في وجود بالفعل، و قد لا يطرح هذا التمجيد مشكلا، في نظرنا، لو كان الدرس الفلسفي يعترف بالتزاماته البيداغوجية، إلا أن الواقع يكشف العكس؛ فأغلب الزملاء في المهنة يتصورون الدرس الفلسفي خارج حدود الديداكتيكا؛ بل ينظرون بعين الريبة للبيداغوجيا كمعرفة » هجينة   «  و » مشبوهة « ، كما أن الأرثودوكسية الفلسفية تعبر عن تطرفها دوما بالقول » لفلسفة بيداغوجيا خاصة محايدة لتاريخها و لذاتها « ، فمعلم الفلسفة يعيش هذا التوثر: يدرس الفلسفة و يرفض البيداغوجيا.

النقيضة الثالثة:

نشرت لو فيغارو ما غازين في عدد ماي 2002 قولا للوزير الفرنسي السابق و الفيلسوف لوك فيري الذي يعبر، في نظرنا، عن النقيضة الثالثة بدقة شديدة »  لقد تغير شيء ما بالمقارنة مع سنوات السبعينيات  و الثمانينيات في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، لقد مد عدد من المفكرين من جيلي جسورا واصلة مع التساؤل الفلسفي كما مارسه بشكل أصيل قدماء الأغريق؛ لم نفهم أبدا الفلسفة، فقط،، كخطاب جامعي تخصصي، و إنما هي بالنسبة لنا شكلا أو طريقة للوجود و التواجد في العالم: في انسجام و تناغم مع الأجيال القادمة « ،

 نعثر في هذا القول على تنكر لهذا الأستاذ الجامعي للخطاب الجامعي نفسه من خلال إدانة الخلط بين أستاذ الفلسفة و الفيلسوف، لكن المقلق أكثر هو عدم الوضوح في الحدود بين

 

» تدريس خطاب جامعي حول الفلسفة « و »طريقة للوجود في العالم « غموض يتغذى على ميوعة تعريف الفلسفة بين حدي: معرفة مدرسية و موقف وجودي.

يضعف هذا التعارض الحدي من مصداقية الفلسفة في عين التلميذ وولي أمره و الأستاذ نفسه. و كثيرا ما نسمع بعض التلاميذ يصرحون أن تدريس الفلسفة لا يفيدهم في حياتهم، بل لا يتعدى أن يكون مادة دراسية سرعان ما يجب نسيانها بعد اجتياز الامتحان بفعل الصعوبات الشديدة التي تطرحها أما عقولهم الصغيرة و المتعبة.

النقيضة الرابعة:

  يتم النظر في غالب الأوقات إلى الفلسفة و تدريس الفلسفة كتتويج لمسار معرفي و دراسي.

  الفلسفة هي تلك المعرفة التي تستدعي مكتسبات معرفية سابقة في حقول متعددة، و هي هنا أشبه بمعرفة للمعرفة أو معرفة متعالية و أفقية لكل المعارف، و الدرس الفلسفي هو تتويج لمسار دراسي، مادام أن المتعلم لا يتعرف على هذا الدرس إلا في السنوات الأخيرة من السلك الدراسي (الثانوي) لكن هذه الصور المتعالية تخلق نوعا من التعارض أو التباعد على الأقل بين ما هو مطلوب من الفلسفة و الدرس الفلسفي، و بين  واقع الحال، و ليس من أحد أن ينكر اليوم الفقر المعرفي المدقع الذي يشكو منه الدرس الفلسفي، حيث يختزل الفن في لوحة تشكيلية أو ترد الفزياء كلها إلى غاليلي و التاريخ إلى الثورة الفرنسية.

إذا كانت الفلسفة خطابا بستند إلى ثقافة قبلية، فلا بد من التأكد إن كان المتعلمون يمتلكون هذه الثقافة أم لا، حتى لا نظل في المأزق الحالي، حيث تكشف أوراق التلاميذ في امتحان الباكلوريا فقرا و انحطاطا معرفيا و لغويا رهيبا لا يطرح هذا المأزق أزمة تدريس الفلسفة فقط و إنما يسأل منطق التدريس ككل.

 

النقيضة الخامسة:

  الشكل الثاني من الفقر الذي يعاني منه الدرس الفلسفي يتجلى في ضعف الارتباط بين الدرس الفلسفي وتاريخ الفلسفة؛ في فرنسا اليوم و بعض الدول المغاربية التي تعتمد على البيداغوجيا الفرنسية؛ غير أن تاريخ الفلسفة هو الأصل المعرفي للفلسفة، ليس الفلسفة سوى تاريخها.

  يميل تدريس الفلسفة إلى اختزال التاريخ في نماذج ثابتة أو حلقات ضيقة و تراتبية لبعض الفلاسفة  ( أفلاطون – ديكارت –كانط) و هذه الرؤية الضيقة لتاريخ الفلسفة تترسخ مع الأسف في ذهن أساتذة الفلسفة والتلاميذ على حد سواء على الرغم من اعتماد التدريس بواسطة الموضوعات أو المفهومات.

فالحقيقة كمفهوم يتم بحثها ضمن هذا المثلث: أفلاطون، و ديكارت، و كانط. و الفن بين أفلاطون و كانط.. تجعل هذه الرؤية التاريخية المحدودة تاريخ الفلسفة رهينا بالإغريق و الألمان بدرجة أولى، و تتجاهل المعطيات الأخرى لتاريخ الفلسفة كحوار و إسهام مشترك بين الشعوب يضمن حضورا للفلاسفة المسلمين و الفرس و الهنديين و الفلسفات الشرقية و الإفريقية، و كأن الدرس الفلسفي يقول للتلميذ: إن الفلسفة صناعة أروبية - إغريقية – جرمانية.

النقيضة السادسة:

  يناضل الدرس الفلسفي اليوم من أجل مزاعم بلوغ الكوني و تحقيق الكونية، و بشكل عكسي يغرق هذا الدرس في نزعة مواطناتية إن لم نقل وطنية، يتجلى هذا في عدم الانفتاح على التقاليد الفلسفية خارج أروبا، و عدم حضور الثيارات الأنجلوساكسونية، خصوصا الفلسفة الأمريكية، و غياب الفلسفات الإيطالية   و الإسبانية، و غيرها من الثيارات ذات السمعة الطيبة في الساحة الفكرية، كما يظهر أن الدرس الفلسفي سقط في الخصام المصطنع بين الفلاسفة و العلوم الإنسانية، هذه الأخيرة التي ينظر لها كمصدر خطر بسبب المنهج الوضعي لمعالجة الظواهر و القضايا الإنسانية. إن الكونية كما يفهمها هيجل تقتضي حركة تشميل الفكر من خلال المزيد من التعيينات التي تحقق جدلا بين الوحدة و التجزؤ.

          الدرس الفلسفي اليوم غير قادر على محاورة الحقول المعرفية الأخرى بشجاعة، بل إنه ينطوي على ذاته في حركة غير ناضجة لحماية الذات.

النقيضة السابعة:

  يشكو الدرس الفلسفي من اضطراب في علاقته بالمؤسسة، من جهة، يقاوم الأساتذة النزعة الإدارية؛ كما قاوم سقراط النزعة السفسطائية، و كما قدم أفلاطون الفيلسوف كحكيم لا يخضع لسلطة أي أحد كان، سوى سلطة ذاته. و من جهة ثانية يتوهم الأساتذة و المفتشون أنهم الأعمدة المحورية للنظام المدرسي و الدولة و حماة الديمقراطية؛ يخفي هذا الوهم شعورا مؤلما يكتشفه هولاء المشتغلون من واقع أن الدولة و المدرسة و الديمقراطية يمكنها أن تتخلىعنهم، وأن تسير دون أن تتعرض لأن عطب.

النقيضة الثامنة:

  لا يتوقف الدرس الفلسفي عن  خدمة وحدة  مزعومة  للفلسفة أو الفكر الفلسفي، غير أن تعدد المذاهب و المناهج و المباحث الفلسفية دلائل  تثبت أو الوحدة الجوهرية للفلسفة ليس إلا »  تجريدا وهميا « ، أو صورة دوغمائية للفلسفة تضع نفسها خارج الزمن و الحركة التاريخية.

ولاشك أن الصورة اللاثاريخية للفلسفة هي ضد فلسفية، و لا تخدم صورة الفلسفة في عين التلميذ و المجتمع.

يتغذى هذا الطابع لللاتاريخي  للفلسفة من التأويل الأفلاطوني للحركة و التغير كنقص يطبع العوارض و الأعراض، أما الجواهر الشريفة فهي مطبقة و أبدية؛ لكن هذا الموقف السلبي من الحركة في الزمان( حركة الاستحالة عند أرسطو) يجعل من الفلسفة معرفة لا تساير الواقع الاجتماعي الذي يحفل بمشكلات و قضايا تتجدد باستمرار و تتطلب مقاربات نظرية و منهجية متجددة؛ تجعل هذه الوحدة المزعومة للفكر الفلسفي؛ من جهة ثانية، الدرس الفلسفي في تعارض مع واقع حال من تاريخ الفلسفة، باعتباره حقلا مفتوحا للإبداع الثقافي الوفي لشروطه التاريخية ( الزمانية و المكانية).

حينما يعمد أساتذة الفلسفة تقديم تعريف عام و مجرد للفلسفة يواجهون به تعدد و تعارض الفلسفات و الفلاسفة و المذاهب التي تشوش على ذهن التلاميذ يكتشفون أن التعريف المجرد و العام لا معنى له، ولا يعني أي شيء بالنسبة لهم و للتلاميذ.

في الوقت الذي يقولون أن الفلسفة تفكير عقلاني، عليهم أن يواجهوا صعوبة تسوية المفارقة التي تطرحها مفهوما التفكير/الفكر و الصعوبة التي تطرحها العقلانية داخل تاريخ الفلسفة، إذ أن الكثير من الفلسفات كانت في مواجهة للنزعة العقلانية.

أما إذا كانت العقلانية لا تتعدى طريقة لاستخدام العقل، نكتشف أن كل المعارف هي نتاج نشاط عقلي بطرق متباينة، أما إن كانت هذه الطريقة تتحدد في استعمال صارم للتفكير وفق قواعد، لنقل منطقية، نكون في مواجهة الصعوبات التي يطرحها مفهوما البرهان و الجدل.

بمعنى علينا أن تقتحم دائرة الإشكال العسير؛ هل الفلسفة معرفة برهانية أو جدلية أو خطابية أو حجاجية؟

كل هذه الصعوبات تضاف إلى لائحة من الصعوبات الأخرى التي يطرحها أمامنا مسعى تعريف الفلسفة تعريفا جامعا و لا تاريخيا، تفرض علينا أن ننظر بشكل واقعي للتاريخ الفلسفي كحقل مفتوح لتشكيلات هندسية متباينة لا يمكن توحيدها إلا بشكل متعالي و مزعوم.

 

 

خاتمة:

تفرض هذه التعارضات التي تخترق لا شعور الدرس الفلسفي تحليلا سيكولوجيا بيداغوجيا دقيقا لأجل استعادة التوازن و المصالحة مع الذات و العالم الذهني و الواقعي على حد سواء.

إن إدانة التعارضات و فضح التناقضات هي المهمة التي قامت من أجلها الفلسفة مع سقراط و أفلاطون في مواجهة السفسطائية، إلا أن مكر التاريخ جعل الفلسفة اليوم دون مستوى احترافية الخطاب السفسطائي في فن الإقناع و بناء القول.

لا ينكر منكر اليوم أن خطاب الدرس الفلسفي لا يسحر أحدا، لقد أصبح باليا مثيرا للغثيان.

 

 

 

 

استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=