تأليف الكتاب المدرسي

آفات التحرير السائب لتأليف الكتاب المدرسي:
نموذج نقل نصوص "في رحاب الفلسفة" للسنة الثانية آداب وعلوم إنسانية
             يوسف العماري

1. مقدمات لوضع المشكلة:
الجودة: مطلب حيوي
يشير تحرير تأليف الكتاب المدرسي في السلك التأهيلي، على غرار تحريره في باقي الأسلاك، إلى عملية وُصِفت من قبل السلطات التربوية بأنها "خطوة هامة في تشجيع الإنتاج التربوي، وتحرير التأليف، والارتقاء بالسلك التأهيلي من سلك تعليمي مدرسي مستهلِك إلى سلك تعليمي ما قبل الجامعي منتِج"؛ وهو الأمر الذي يترك الانطباع-مبدئيا- بالانتقال إلى مستوى أعلى من التدبير العقلي للنظام التربوي: إذ لا شك أن التعامل مع كتب متعددة يتطلب قدرة على التركيب أكبر، وتصورا للعمليات التعليمية التعلمية أوسع وأشمل، وتوصيفا للانتظارات أدق وأوثق.
إن لتحرير تأليف الكتب المدرسية دواعٍ عديدة لعل أبرزها الانتقال إلى التعامل بنوع من "التدبير المفوَّض" مع الشأن التربوي: الانتقال من كتاب يُقرَّر من قبل الجهات التربوية المختصة مركزيا إلى كتاب يُنجَز من قبل "خواص" بناء على دفتر تحملات مضبوط يضمن إنجاز العمل على الوجه الأفضل. الأمر الذي يلبي الحاجة إلى إشراك فاعلين خارج دوائر الأجهزة التربوية الرسمية ممن حصَّلوا مستوى من التكوين والكفاءة تؤهلهم لأن يقوموا بالعمل على نفس قدر القيمة أو أكثر.
أما عن المقاصد والغايات، فهي لن تخرج، مبدئيا، عن دائرة السعي إلى تحقيق أكبر نفع للمستهلكين، عبر تنويع المنتوج أولا، إذ يُفترَض أن فتح إمكانية الاختيار بين منتوجات متعددة يمَكِّن من رفع حظوظ إيجاد الأفضل؛ وعبر تجويده ثانيا، إذ يُفترَض أن إخضاع المنتوج التربوي للمنافسة بين المنتجين من شأنه أن يساهم في تحقيق مردودية أكبر.

2.1. الجودة: مطلب حيوي، ولكنه مشروط
وككل عمل تدبير على قدر من الأهمية يضاهي تدبير الشأن التربوي، يُفترَض أن لا يُترَك أمر "الخوصصة" أو "التدبير المفوَّض" سائبا غير مضبوط، لِما قد يكون ل"السيبة" في هذا المجال من الآثار المعاكسة أولا للغايات والمقاصد التي كانت متوخاة من التحرير بداية، ولما قد يكون لها ثانيا من آثار سلبية على المستهلكين، الذين هم في هذه الحالة تلاميذ الحال ومواطنو المستقبل والمآل.
وفعلا، فقد انتبه الملتزمون بمقتضيات "الميثاق الوطني للتربية والتكوين" إلى هذا الأمر حينما أكدوا، في المادة107، على "ضرورة إحداث لجنة دائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للبرامج والمناهج والشعب والقطاعات"، يُناط بها تتبع ومراقبة تنفيذ إصلاح المناهج والبرامج، وهي التي يُناط بها أيضا الإشراف والمصادقة على الكتب المدرسية؛ ففي المادة 108، حيث تم تناول الكتب المدرسية والوسائط التعليمية، تقرر ما يلي: "اعتبارا لكون سلطات التربية والتكوين مسئولة عن تحديد مواصفات التخرج والأهداف العامة والمراحل الرئيسية لتدرج المناهج والبرامج المدرسية، فإن اللجنة المشار إليها في المادة 107 أعلاه تشرف على إنتاج الكتب المدرسية والمعينات البيداغوجية وفق مقتضيات المنافسة الشفافة بين المؤلفين والمبدعين والناشرين, على أساس دفاتر تحملات دقيقة مع اعتماد مبدأ تعددية المراجع ووسائل الدعم المدرسي.
وتخضع كل أداة ديداكتيكية كيفما كان شكلها وطبيعتها لزوما لمصادقة سلطات التربية والتكوين." الأمر الذي يعني أن أمر تحرير التأليف المدرسي يخضع للضوابط التربوية والقانونية المرعية في مثل هذه الحالات.

3.1. واقع واعد نظريا، خائب عمليا
تنتج المقدمتان السابقتان نتيجة مفادها أن السلطات التربوية كانت تمتلك، منذ مدة طويلة وبشكل سابق على بدء تفعيل إجراءات فتح باب المنافسة بين الكفاءات التربوية حول إعداد الكتب المدرسية، ما شأنه أن يضمن الحد الأقصى من مواصفات الجودة. أقول الحد الأقصى، لأنه لا يُعقَل أن تكون المنافسة إلا لأجل تحقيق الأفضل؛ وإلا لن يكون لمطلب الإصلاح معنى أصلا. إلا أن واقع الأمور يبدو مخيبا من وجوه متعددة لما قد يرجوه كل مغتم بحال التعليم، مهتم بسبل تجاوز التعثر، ومعني بالنهوض وبالنجاح العملي.
طبعا، ليس لنا أن نشكك في حسن نية أحد، ولا في نزاهته المبدئية، فالمقام هنا يتجاوز محاسبة النوايا وتعيير "صفاء القلوب"، إنما يتعلق بمساءلة الأفعال ومراجعة الإجراءات في إطار عمل تقويمي يُفترَض أنه جزء لا يتجزأ من أي عمل يريد لنفسه أن يكون عملا رشيدا، يؤمن بالقابلية للخطأ في مجال الممارسة البشرية أولا، وبضرورة تصحيح الخطأ متى تم رصده ثانيا، وتجنب وقوع الأذى ثالثا ورفعُه إن وقع- وقد وقع كما سنحاول بيانه- أخيرا.
وإذا كانت "الخيبة" عنوانا بارزا من عناوين مآل إصلاح نظام التربية والتكوين، وإذا كانت هذه الخيبة نتيجة لتداخل عوامل متعددة، فإننا نعتقد أن أسبابها تنتشر في جميع مناحي ذاك النظام بأشكال مختلفة وفي أنماط وجود قد تبدو تفاصيل جزئية وغير ذات شأن، أو قد تبدو يسيرة التجاوز من قبيل فساد الكتب المدرسية.

4.1. التحرير ومشكلة المسئولية: دفع وهم
لَمَّا كان من المؤكَّد أن عناصر جودة الكتاب المدرسي متعددة تبعا للأغراض المنتظرة منها، متراتبة فيما بينها ومتكاملة بحسب درجة خدمتها لتلك الأغراض، فإنه كان من المفترَض أن ينضبط إنجاز الكتاب المدرسي بجملة ضوابط بيداغوجية وديداكتيكية وقانونية تضمن تحقيق الحد الأقصى من الجودة، كما تحدد أشكال التتبع والتقويم الممكنة لتلك الجودة. ولذلك فإن التعويل على نباهة المدرس في أن يميز الكتاب الملائم من الكتاب غير الملائم، وعلى حريته وتكوينه الشخصي للتصرف في مضامين الكتب، تعويل فاسد أصلا. إذ لا يُعفي السلطات التربوية من تحمل مسئوليتها كقيِّم على الشأن التربوي؛ مثلما أن التعويل على نباهة مستهلك الخبز أو الزيت في أن يميز السليم من المسموم، وعلى حريته وتكوينه، تعويل فاسد، إذ لا يُعفي السلطات القيِّمة على تدبير الشأن الاقتصادي من تحمل مسئولياتها في حماية المستهلك حفظا لماله من الضياع وصونا لصحة بدنه من السقم.
مناسبة هذه المماثلة اقتضاها التمييز الذي أقامته السلطات التربوية بين "المنهاج" وبين "الكتاب المدرسي"، للاستنتاج بأن "المنهاج هو وحده الإطار المرجعي الملزم وطنيا"، ثم، بناء على ذلك، إلقاء المسئولية –أو تعويمها- على "حرية الأستاذ" وفقا لـ"ظروف وشروط الممارسة" و"إمكاناته"، وفي "إطار التعاقدات" و"التنسيق" بين الأساتذة. تقرر التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، الصادرة بتاريخ نونبر 2007: "ينطلق منهاج مادة الفلسفة من التمييز المنهجي بين هذا المنهاج وبين الكتب المدرسية الجديدة للفلسفة. فالمنهاج هو وحده الإطار المرجعي الملزم وطنيا، أما مضامين الكتب المدرسية للمادة والمقاربات والطرق البيداغوجية والتقنيات الديداكتيكية المقترحة فيها، فلأستاذة وأستاذ المادة حرية التصرف فيها وفقا لأهداف المنهاج والكفايات المراد تنميتها لدى المتعلم، وبالنظر إلى ظروف وشروط ممارستهما الفعلية وإمكاناتهما التكوينية ومواردهما المعرفية والتقنية، وذلك في إطار التعاقدات التنظيمية والتدبيرية المرتبطة بشروط التقويم وتكافؤ الفرص أمام التلميذ، وضرورة التنسيق، إقليميا وجهويا ووطنيا، بين أستاذات وأساتذة مادة الفلسفة."
وأعتقد أن هذا التمييز لا يخدم إطلاقا الغرض المتوخى منه إن كان هناك غرض منتج من ورائه، بل إنه قد لا يُفهَم إلا كمحاولة للتنصل من المسئولية التربوية التي يفرضها القيام على مراقبة وتتبع وتقويم سيرورة إنجاز الكتب المدرسية بكل مراحلها، ابتداء من صوغ دفاتر التحملات إلى تقويمها اللاحق على مرحلة المصادقة عليها. وها هنا الموضع الذي نرى أنه لم يَلق، إلى حد الآن على الأقل، ما يستحقه من الاهتمام، أي موضع رصد المشكلات التي قد تعترض العمل بالكتب المدرسية أو عدم العمل بها، والنهوض لحلها. أقول: قد يُفهَم بأنه تنصل من المسئولية، تنصل يثبت صحته أو خطأه مدى سرعة رد الفعل الذي سيكون من قبل السلطات التربوية للتدخل لحل المشكلات التي يطرحها إجراء تحرير الكتاب المدرسي؛ خاصة أن عملية تحرير تأليف الكتاب المدرسي قد تمخضت عن المصادقة على كتب يصيبها من أنواع القصور والخلل ما لا يقبله العقل، ولا يحتمله التدبير الرشيد. والأدلة على ذلك كثيرة نتحمل المسئولية المعنوية والقانونية في النهوض إلى نصبها متى دعا المقام إلى ذلك. ولأجل ذلك، نقدم، على سبيل التنبيه، نموذجا من نماذج الاختلال الذي طال الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة المسمى"في رحاب الفلسفة".
بقي أن نشير، قبل الشروع في تقديم شواهد عما نقول، إلى أننا لا ندعي القيام بكشف عويصٍ على أذهان عموم الخلق ممن ابتُلي في رزقه بالاشتغال بهذا الكتاب، إذ لا شك أن الكثير يعاني مرارة الاستلاب الذي
• يسببه الاتصال بنصوص تكون قراءتها متعِبة ومزعِجة بل مستحيلة، وهي فوق ذلك كله ضرورية أو تكاد؛
• أو يسببه "لعب لغوي" يطلق الألفاظ دون قيد فيترجم نفس اللفظ المعبر عن مفهوم ما باستعمال ثلاثة ألفاظ أو أكثر، أو "يقفز" على لفظ أو مجموعة ألفاظ دون مسوغ، علما أن المنتظَر الوقوف على بنية مفاهيمية قابلة للرصد والتعيين على نحو مضبوط، وعلى بنية حجاجية متماسكة؛
• أو تسببه الفضيحة التي يقع فيها المعلم عندما يطالب المتعلمين بالتمرن على الكتابة الإنشائية انطلاقا من نصوص معيبة، وهو يعرف أن من يضبط فعلا مضمون النص سوف يُقوِّله لا محالة ما لم يقله.
• أو تسببه هذه العناصر مجتمعة أو تفاريق.
لربما فعل هؤلاء خيرا حينما لم يكلفوا أنفسَهم عناء الحديث عما يعانون، إذ لم يروا في ذلك إلا وجها جديدا من أوجه الاستلاب، خاصة في ظل شعور سائد بأن لا مستجيب للنداء.

2. شواهد على اختلال كتاب "في رحاب الفلسفة":
سوف نبدأ بإشارة سريعة إلى أهمية النص في كتاب الفلسفة، اعتمادا على بعض المقتضيات الفلسفية والتربوية واستلهاما للتوجيهات الرسمية ذات الصلة؛ ثم ننتقل إلى عرض بعض من الأمثلة التي تشهد بالفشل في نقل النصوص الفلسفية، إلى درجة يحق معها القول بأن الكتاب منتوج فاسد مضر بصحة وسلامة مستهلكيه.

1.2. أهمية النص في بناء الكتاب المدرسي:
يستمد الكتاب المدرسي أهميته من عنصرين على الأقل:
أولا، من كونه معينا ديداكتيكيا يحتل مكانة مركزية بالنظر إلى طبيعة درس الفلسفة الذي لا يزال تدريسها بالنصوص يشكل هيكلها الأساس. لذلك، فمهما اقتضت "الاختيارات التربوية الجديدة إعادة موضعة الكتاب المدرسي من حيث مضامينه ووظائفه وعلاقاته بباقي المعينات الديداكتيكية"، كما تُقرر ذلك التوجيهات الرسمية، فإن إعادة الموضَعة هذه تطرح حسب نفس التوجيهات "ضرورة احترام معايير نظرية وبيداغوجية أساسية" تلخصها في الانضباط بمعايير يضمنها استيفاء شرطيين:
• "قيمة المضامين المقترحة ومدى ملاءمتها لحاجات المتعلمين (بساطتها لسهولة الاشتغال عليها)؛
• و"قيمة المنهجية المقترحة باعتبارها تنظم سيرورة محدَّدة للتعلم سواء من حيث تنظيمها للمحتويات، أو من حيث تصورها للأنشطة التعلمية المندمجة."
وثانيا، من مدى صلاحيته لأن يكون سندا حقيقيا يقوم عليه كيان المادة: فمعلوم أن كيان مادة الفلسفة، كما تُدرَّس اليوم في فصول التعليم الثانوي التأهيلي، يخضع لأركان ثلاثة هي: الاستشكال والاستفهام والتحاجج، أركان هي بمثابة مداخل يشكل الاشتغال على النص الفلسفي الحامل الأساس لمفاتيحها. فلا غرابة أن تجد كل مكونات الكتاب المدرسي تُحيل، بشكل أو بآخر، على النصوص الفلسفية المثبتة وترتد إليها، ابتداء من العروض الممهدة وانتهاء بالخلاصات والخطاطات. وهذه المكانة المركزية للنصوص تجد مبرراتها في جملة المقتضيات الفلسفية والبيداغوجية والديداكتيكية التي "استقر" عليها تدريس الفلسفة في الفصول الدراسية، تبعا للكفايات المنتظرة من تدريسها.
فمن المقتضيات الفلسفية أن مباشرة النص الفلسفي أفضل وأنجع في تناول الموضوعات الفلسفية ومعالجة مشكلاتها تناولا ومعالجة فلسفيتين. أفضل وأنجع من تناولها ومعالجتها انطلاقا من شروح وتعليقات تُقدَّم في شكل عروض ينتهي بها الأمر في النهاية إلى أن تُرفَع هي نفسها إلى مرتبة "النصوص" الفلسفية. فيكون التدريس بالنص أولى من التدريس انطلاقا من شرحه أو التعليق عليه؛
ومن المقتضيات البيداغوجية والديداكتيكية أنه لما كان الغرض الأخير من تدريس الفلسفة تمكين التلميذ من كفايات فهم وتحليل الخطاب الفلسفي المُصادَر على كونه خطابا نموذجيا من حيث بناؤه أو روح عقليته، فإن النصوص الفلسفية أجدى في تيسير تمكن التلميذ من الكفايات الثلاث التي عُدَّت أركان الدرس الفلسفي ومداخله: الاستشكال والاستفهام والتحاجج.
النص إذن مجرد مُعين، مجرد حامل ومجرد سند لا يستمد قيمته إلا مما يعين عليه ويحمله ويسنده؛ لكن العون والحمل والإسناد ليست أمورا هينة، إذ بضعفها أو بفسادها يُقطع العون فيسقط المحمول وينهار المدعوم. أجل، إن النص الفلسفي الذي يُقتبس من متن فيلسوف ما لا يشكل سوى جزء ضئيل قد لا يُعتبَر أصلا كميا، لكنه يغدو نصا حيويا وتغدو وظيفته وظيفة حاسمة بالنظر إلى الموضوعة التي نستعين به لتناولها، والمشكلات التي نستدعي دعمه لمعالجتها، والقدرات التي نعوِّل عليه لتمكين التلاميذ منها في أفق امتلاكهم لكفاياتها.
بديهيات؟! ما أصعب استحضار البديهيات!
يترتب على ذلك أنه من الممكن تقويم النصوص انطلاقا من شبكة تتعدد خاناتها ومداخلها وتتعقد بمقدار تعدد وتداخل العناصر التي نريد تقويمها: من اختيار النصوص الملائمة لإسناد تدريس مفاهيم المنهاج، إلى تخطيط التعلمات التي من شأنها أن تمكن


استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=