جمهورية افلاطون:قراءة في الكتاب الثاني

قراءة في الكتاب الثاني من محاورة الجمهورية لأفلاطون.

 

محمد سعد

أستاذ مبرز في الفلسفة

ثانوية عمر ابن الخطاب

نيابة أنفا الدار البيضاء

 

مدخل:

 

يعتبر الكتاب الثاني استمرارا للكتاب الأول من منطلق أن سقراط قد أعلن صراحة في نهاية الكتاب الأول أن النقاش مع تراسيماخ لم يصل إلى أي معرفة،ربما يكون مرد ذلك للطبيعة المشاكسة لشخصية تراسيماخ

 و مقاومته لكل الحيل الجدلية و الخطابية لسقراط، وقد تكون راجعة إلى نية سقراط في تقديم تراسيماخ

ـ باعتباره سفسطائيا ـ كانسان بدون أفق معرفي يقاوم كل تأسيس أصيل و موضوعي للمعرفة.

غير أن أفلاطون سيتدارك الوضع في الكتاب الثاني من خلال دفع الحوار بشكل ايجابي، في اتجاهين:

ـ استعادة الإشكال الذي سيطر على الكتاب الأول من خلال حوار سقراط مع تراسيماخ، لكن عبر شخصية كلوكون.

ـ فتح النقاش على القضية المركزية للمحاورة و هي بحث ماهية العدالة في مستواها الفردي ـ عدالة النفس ـ و مستواها الاجتماعي ـ عدالة المدينة / العدالة السياسية ـ.

إلا أن مسعى أفلاطون لم يكن ممكننا إلا بإقحام شخصيتين جديدتين في الحوار مع سقراط: اديمانت و كلوكون.حيث سيبدو الحوار بي ينهما يسير بسلاسة و ليونة بدون عوائق أو مشاكسات مثل ما كان الأمر مع تراسيماخ. كما ستبدو علامات الارتياح و المجاملات المتبادلة بينهما و بين سقراط في أكثر من موقع في الحوار.

 

ستكون قراءتنا لهذا الباب تتجه في مستوى أول إلى مسك خيوط الإشكالية العامة التي توحد تشظيات الأسئلة و الأفكار عبر النقاش في هذا الكتاب. و في مستوى ثان إلى تتبع تمفصلات البناء التساؤلي و المعرفي و الحجاجي.

 

الإشكالات العامة للكتاب:

 

توجه النقاش في هذا الكتاب لبحث سؤالين أساسين: ايهما اسعد الإنسان الظالم أم العادل؟ و ما العدالة و الظلم في ذاتيهما؟.

 

الهدف العام للكتاب:

 

يتحدد الرهان الأساسي للكتاب الثاني في تعريف العدالة و بحثها من جهة ماهيتها في ذاتها و لنتائجها سواء تعلق الأمر بالنفس الفردية أو في الدولة و أثرها أخلاقيا و سياسيا. فرض هذا البحث المرور عبر بحث أشكال التمثلات الاجتماعية المشوهة للعدالة و بحث مسألة التربية في علاقتها بالموسيقى و الرياضة و الأدب. كما يشمل البحث الحفر في أصل نشوء الدولة و تطورها و إبراز العدالة كنوع من التوازن في العلاقات بين مكونات الدولة.

 

شخصيات الحوار:

بعد انسحاب تراسيماخ دخلت في الحوار شخصيتان تحضيان بتقدير خاص لدى كل من أفلاطون و سقراط على حد سواء، كلوكون و اديمانت :

ـ كلوكون: يقدمه أفلاطون بملامح المثقف المحب للمعرفة النظرية و الممارسة التأملية و هو أدنى من مرتبة الفيلسوف لكن أقرب للحكمة من السفسطائي.

ـ أديمانت: رجل عملي  يهتم بالتفاصيل الإجرائية، يميل أكثر لما هو امبريقي.

ـ سقراط: الناطق باسم الحكمة الجديدة، المعرفة العالمة التي يسعى أفلاطون تكريسها من وراء قناع شخصية سقراط.

 

البناء الحجاجي و المعرفي للكتاب:

 

يستهل أفلاطون هذا الكتاب بملاحظات يقدمها على لسان سقراط، و هي غالبا إما تعليقات على النقاش السابق، أو على شخصية محاوره، أو الطريقة التي درج الحوار عليها. الملاحظة التي تهمنا هنا أن سقراط اعترف أنه لم يحصل على أي معرفة في نهاية حواره مع تراسيماخ.و في الوقت الذي اعتقد فيه أن النقاش قد حسم بصفة تامة  إشكال أن "حياة الظالم أفضل من حياة العادل"، تدخل كلوكون الذي كان حاضرا" للمبارزة الجدالية" والذي لم تتح له الفرصة الحقيقية للتدخل،كما لم يقتنع بما قيل لسببين أساسين:

ـ أولهما، ضعف دفاعات تراسيماخ و استسلامه في وقت غير مناسب.

ـ ثانيهما، ضعف الحجج التي قدمها سقراط و التي لم تكن تختلف بالشيء الكثير عن الحجج السفسطائية. كما أن سقراط الذي كان يمثل في نظر كلوكون مصدرا للمعرفة الجديدة لم يقدم المعرفة المنتظرة منه؛ الوقوف على ماهية كل من العدالة و الظلم في ذاتيهما و لنتائجهما.

لهذا كان تدخل كلوكون يسير في اتجاهين نحو غايتين تبدوان مفارقة من الصعب إيجاد أرضية للمصالحة بين طرفيها:

ـ تبني موقف تراسيماخ لكن  باعتماد حجج أخرى مع الاحتفاظ بنفس الإصرار على الدفاع عن الظالم مقابل العادل كما لو كانت الغاية إعطاء فرصة جديدة لبناء النقاش على أسس حجاجية متينة، لأن الحجج التي قدمها الطرفان لم تكن مقنعة.

ـ دفع سقراط إلى تجاوز الرد على أطروحة تراسيماخ و ضرورة السير في اتجاه بحث ماهية العدالة و الظلم و أثرهما في نفس الفرد.

إن السؤال الذي يعبر عن حرج المفارقة المتضمنة في موقف كلوكون  هو لماذا هذا التبني لموقف تراسيماخ؟هل لغاية خلق مثيرات نظرية و سيكولوجية لدفع سقراط نحو التوهج الجدالي أم أن في الأمر تصنع من جهة أفلاطون لإعطاء سقراط فرصة ثانية لتحقيق نصر مزعوم على حساب السفسطائي خصوصا و أن النقاش في الكتاب الثاني كان يسير على درجة كبيرة من الندية و اليقظة من جهة تراسيماخ ؟. ربما هي كلها عناصر أفسدت الوصول إلى مصادرات على المطلوب بشكل مجاني كما يأمل سقراط  دوما.

غير أن الغريب في مداخلة كلوكون أنه طيلة إعادة طرح موقف تراسيماخ كان شديد الحرص على التصريح أكثر من مرة أنه لا يتفق مع وجهة نظر تراسيماخ و ما يعرضه من  أفكار ليست أفكاره.كيف يمكن الدفاع عن موقف و في نفس الوقت التنصل منه؟.

سنعمد إلى تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام  لتسهيل تتبعنا لتمفصلاته المعرفية و الحجاجية تبعا لتدخل الشخصيات المتحاورة،.سيتدخل كلوكون و من بعده اديمانت و سيظل سقراط ملتزما بهذا التعاقد إلى حين لتقديم رده و بسط رأيه.

 

القسم1: مرافعة كلوكون:

 

يشرع كلوكون بالتذكير بمسعى سقراط الأساسي و هو الدفاع عن حياة العادل باعتبارها أفضل حياة لأنها تتوافق مع معنى الفضيلة و جوهر الخير في ذاته.غير أن كلوكون يطالب سقراط بالسير في الاتجاه السليم باعتماد الحجج المقنعة و المقبولة عقليا خصوصا  أنه يعتبر أن منهج سقراط في النقاش مع تراسيماخ في الكتاب الأول لم يكن موفقا.{1}

يبدأ كلوكون عرض أفكاره من خلال طلب تصنيف الأشياء الخيرة:" كيف تصنف الأشياء الخيرة؟".حيث نلاحظ انزلاق النقاش إلى بحث مسألة الخير بدل العدل.ربما مبرر ذلك أن العدل باعتباره فضيلة لابد أن يبدأ و ينتهي إلى الخير.

يقدم كلوكون ثلاثة أنواع من أفعال الخير:

ـ ما هو مرغوب في ذاته بشكل نزيه بعيدا عن النظر في مترتباته ـ الخير المطلق ـ.

ـ ما هو مرغوب لذاته و لنتائجه.

ـ ما هو مرغوب لنتائجه.{2}

بعد ذلك يطلب من سقراط تصنيفه للعدالة ضمن هذا المثلث{3}. يقبل كلوكون فكرة سقراط باعتبار العدالة تقوم على اعتدال بين الفضيلة كخير مطلق قي ذاته و المنفعة. يضع كلوكون هذه الفكرة في مقابل  الدوكساـ الرأي الشائع ـ الذي يصنف العدالة في خانة الفعل الذي يجلب المنفعة حتى ولو كان شرا يتعارض مع ماهية الخير. يمكن أن نعتبر هذا تحديدا أوليا و عاما للعدالة من جهة  كخير، غير أن هذا التحديد لا يخبرنا عن ماهية العدالة على وجه التدقيق.

بعد هذا النقاش التمهيدي يشق كلوكون طريقه للدفاع عن أطروحة تراسيماخ التي تعبر عن موقف العامة، غير أنه يبدو حريصا على الحفاظ على التنظيم المنهجي في بناء خطابه بتحديد أهم المراحل التي سيتبعها، و الأهداف العامة التي يتوخاها.كما سيقيم تعاقدا مع سقراط بخصوص قواعد الحوار من أهمها:أن يمنحه متسعا من الوقت و سعة الصدر حتى يعرض ما لديه من أفكار و حجج.ما يثير الاستغراب في هذا المقام هو أن كلوكون يكشف عن نواياها اتجاه سقراط، علما بأن كلوكون يعيد عرض موقف تراسيماخ لكن بغرض إثارة ملكات سقراط لإيجاد مبررات و حجج أكثر معقولية، مع استدراج سقراط  لتقديم المعرفة الحقة حول ماهية العدالة و الظلم و أثرهما في نفس الفرد.

 ينطلق كلوكون من فكرة شائعة لدى السفسطائيين:إن الطبيعة البشرية شريرة، و تبرر ارتكاب الظلم من دون تحمل نتائجه، أي أن الظلم مطلوب من جهة فعله و ليس من جهة تحمله{4}. لكن الظلم كقيمة تبادلية في الفضاء البشري من جهة الفعل و التحمل يشكل الأساس الانثربولوجي لنشؤ القانون، فانتشار الصراع و ازدياد حدة و مساحة ممارسة العنف ستقود الناس في النهاية إلى التفكير في وضع قواعد مشتركة لتنظيم و ضمان الحياة.

يبرر كلوكون أن العدالة، من وجهة نظر تراسيماخ السفسطائي، ليست مطلوبة في ذاتها و ليست اختيارا حرا و نزيها  وإنما كنتيجة لعجز الناس على ارتكاب الظلم أو تحمله.

. يقدم كلوكون أسطورة جيجس  كمثال توضيحي لفكرته{5}. ليصل إلى النتيجة أن أفعال العدل و الظلم متساوية من جهة استعداد الفرد شريطة أن تتوفر له الشروط المناسبة. بعد توضيح الميل الطبيعي للشر في الإنسان،  ينتقل كلوكون إلى بحث ممارسة العدالة في السياق الاجتماعي، أو فيما يمكن اعتباره" بالأقنعة الاجتماعية"، هنا يبرز أن العدالة كقناع اجتماعي يرتديه العادل، يوفر له مغانم اجتماعية، و بالتالي تصبح ممارسة العدالة موجهة نحو غايات خارجية extrinsèque.

غير أن الظالم بالطبيعة لو اهتم بتقديم قناع العادل سينال كل المنافع، على عكس العادل بالطبيعة إذا ما عكس قناعه سيكون خاسرا في جميع الأحوال.{6}

لينتهي كلوكون إلى إثبات صدقية موقف تراسيماخ بان مصير الظالم أفيد و أفضل من مصير العادل، نظرا لسذاجة الناس في الحكم و التقدير لاهتمامهم بالمظاهر.لذا فإن الظالم ينتهي إلى تقلد مهام تدبير المدينة  لما يوفره هذا الامتياز من منافع. بل أن الآلهة تدعم الظالم و تيسر له السبل للارتقاء لما لديه من حرص على تقديم القرابين و التقرب إليها. يقدم كلوكون الآلهة هنا بصورة قوى مرتشية قابلة لأن تشترى مهما كانت الأعمال شريرة.{7}

 

القســـم 2 – مـــرافـعـــة أديمـــانت :

 

يتدخل " أديمانت" في النقاش عقب انتهاء كلوكون من مرافعته في تقديم الحجح الاجتماعية أو المرتبطة بالدوكسا ( حجج كلوكون مستمدة في مجملها  من المعيش اليومي أو من التمثلاث الجماعية).

سيركز أديمانت على تقديم حجج ذات خلفية اتيطيقية و لاهوتية، كما انه سيسير في اتجاه مخالف إذ سيتبنى الدفاع عن العدالة من جهة و عن الآلهة من جهة أخرى لمحو الصورة السلبية التي رسمها كلوكون يشرع " أديمانت" في المرافعة بتبيان موقفه السلبي ( محاكمة الفكر التربوي اليوناني) من التصور ( التمثل) التربوي الشائع في اليونان الذي ينم عن مفارقة بين الدعوة إلى العدالة لكن ليس لذاتها و إنما لنتائجها. ( برغماتية تربوية) يقدم حجج على هذا الرأي من خلال أبيات شعرية لهزيود و هوميروس{8}. كما يقدم أسطورة موزايوس التي تعود إلى الديانة الأورفية. و كلها أدبيات تكشف الطريق الشاق نحو العدالة و "تورط" الآلهة في دفع الناس نحو الظلم.بعد استعراض نماذج من التراث اليوناني اللاهوتي  يبدأ أديمانت في تفكيك الخلفية التربوية للثقافة الإغريقية التقليدية. بذلك يفجر أشكالا تربويا عويصا: إذا كان الشباب أقل تجربة و قدرة على استيضاح الأمور، فما هي النتائج التي سيستخلصها هؤلاء الشباب مما يسمعونه و ماذا ينبغي أن تكون عليه شخصيتهم و سلوكهم ليضمنوا لأنفسهم خير حياة ممكنة؟{9}

 هذه الثقافة الرائجة في نظر "أديمانت" تكرس عقلية الخداع والقناع من أجل برغماتية فجة.

يحيلنا "أديمانت" على النموذج الذي تحدث عنه " أرفيلوس" كبير الحكماء، و شذرات من أشعار " بندار" كما يشير إلى أساتذة الخطابة و فن القول، و هو ضمنيا يحاكم التعليم السفسطائي باعتباره ترويجا للتربية على القيم الفاسدة.

يمر "أديمانت" إلى فحص التمثلاث الدينية حول الآلهة. و ينطلق من موقف إيجابي و تنزيه كلي للآلهة: " لكن من المحال خداع الآلهة و إجبارهم على شيء".{10}

من هنا يقتحم " اديمانت" إشكالا أكثر خطورة من الأول يتعلق بوجود الآلهة و الصفات الواجبة في حقها . يؤسس أديمانت هذا البحث على افتراضات ثلاثة:

 إن الآلهة غير موجودة ( الأمر هو مجرد أوهام و خيالات). حتى وإن كانت موجودة فهي منصرفة لشؤونها

 ( الفصل بين عالم الآلهة و عالم الإنسان) و ليس هناك داع لخداعها إن كانت منصرفة عنا.

 و إن افترضنا أنها موجودة و مهتمة بشؤوننا، فليس بامكاننا معرفة حقيقة اهتمامها بنا فكل ما نعرفه في هذا الآن مستمد من التراث الشعري: هزيوذ، هوميروس، موزايوس، أورفيوس... هي أشعار فاسدة.

إن العدالة تقتضي تنزيه الآلهة و اتقاء الجزاء.

يدخل " اديمانت" بعد ذلك إلى محاكمة التراث الشعري من موقع الشعراء كأبناء الآلهة و ناطقين باسمها. و أن هذا التراث سواء الإغريقي أو غيره يمجد الظلم و يتحامل ضد العدالة.

ينتهي " اديمانت" إلى تبرير موقف " تراسيماخ" الذي ترافع عنه بالنيابة عنه أخوه كلوكون باعتباره موقفا طبيعيا و عاديا في ظل ثقافة دينية و تربوية فاسدة (مناخ ثقافي مأزوم).

يطلب أديمانت في نهايته تدخله من سقراط أن يبرهن بالحجة القوية على ضرورة طلب العدالة لذاتها كخير"محض" و ليس لنتائجها، و إلا لسقط في موقف تراسيماخ : " و إذن فلن يكفيني أن تثبت أن العدل أفضل من الظلم و إنما أن تبين كيف يكون أحدها خيرا و الأخر شرا"{11}

يطلب أديمانت تجدير البحث في العدالة كقضية أخلاقية و ليست سياسية. كما أنه يذهب أبعد من مطلب أخيه " كلوكون": بحث ماهية العدالة و أثرها النفسي. بالإضافة إلى ذلك فمطلب " اديمانت" يصنف العدالة ضمن المثلث الذي قدمه كلوكون فيما يطلب لذاته فقط، في حين يصنفها سقراط فيما يطلب لذاته و لنتائجه.

 

 القســـم 3 – مـــرافـعــة سقـــــراط:

 

يستهل سقراط  مرافعته بتقديم عبارات المدح و الثناء المبالغ فيه في حق إخوة أفلاطون " كلوكون" و " أديمانت" لحسن تربيتهما و قوة ذكائها. كما يوضح صعوبة إقناعهما بحجج أقوى من تلك التي سبق له عرضها أمام " تراسيماخ". لهذا سيهتدي سقراط غلى سلك طريق سهل و بيداغوجي يعتمد على قياس الجزئي على الكلي أي قياس العدالة في نفس الفرد على العدالة في الدولة، حيث يبرر طريقة هذا بقياس النظر عند طبيب العيون.

ما دام بحث العدالة في الفرد أو " النفس" مسالة معقدة و صعبة المسلك. و لما كان الفرد هو العنصر المكون للدولة فإنه من الأفيد بحث العدالة في بناء الدولة كمدخل مضمون لبحثها من جهة طبيعتها و أثرها في نفس الفرد. سيكون هذا المدخل أيضا مبررا لنقل النقاش في العدالة من البعد الأخلاقي إلى البعد السياسي. و يمكن القول أن الطابع السياسي للمحاورة يبدأ من هذه النقطة.

كانت مهمة سقراط في هذا المستوى الأول من النقاش تقديم نوع من الجينالوجيا الافتراضية لنشوء الدولة يكمن في طبيعة الإنسان باعتباره كائنا ناقصا. فالدولة هي منتوج ( نتيجة) للحاجة المتبادلة بين الناس في إطار تضامن وظيفي. يقترح سقراط احترام بعض الضرورات حتى تكون المدينة سليمة اقتصاديا:

ـ تقسيم العمل على أساس اختلاف الطبائع الفطرية: كل فرد مهيأ بالطبيعة لعمل ما.

ـ إنشاء الدولة على أساس إنتاجي يضمن اكتفاء ذاتيا على المستوى الداخلي و تبادلا خارجيا بين الدول.

ـ تكييف الموقع الجغرافي للمدينة – الدولة مع الأنشطة التجارية

 ـ الجودة في الانتاج و تحقيق معادلة الكم و الكيف، كلما ازداد النشاط الإنتاجي و ازدادت الحاجات ظهرت فئات اجتماعية.

قدم سقراط  أصل التفاوت الطبقي و ميلاد الطبقية الاجتماعية على خلفية نوعية النشاط الإنتاجي الاقتصادي فلاحون – صناع – تجار – ملاحون – وسطاء – عملة/نقد.

الأجراء أو العبيد غير مؤهلين ذهنيا، لكنهم قوة عمل جسمانية ( بروليتاريا) ضرورية لنهضة الدولة.

يلاحظ هنا الاختلاف الواضح في تصور الترف بين سقراط و محاوره، إذ يقدم سقراط صورة بسيطة و فقيرة للترف، ربما لطبيعة الحياة السقراطية القاسية التي حدت من أفق خياله للشرف، مما دفع أديمانت للتدخل مرتين للمطالبة بسخاء أكثر في الوصف، لكن سقراط سيستدرك الأمر ببيان أن مقصده هو بحث بناء الدولة في درجتها البسيطة، و مادام مطلب أديمانت يتجه نحو الدولة المترفة فإن ذلك ممكن بشرط مراجعة عدد و أنواع الحرف و الأفراد لزيادة عددهم و نوعهم.

غير أن التضخم الديمغرافي لهذه الدولة سيحدث خللا في التوازن بين الحاجات و الموارد ( إرهاصات المعادلة المالتوسية). مما يستدعي القيام بحروب و توسعات من أجل المزيد من الموارد ( تصور تاريخي مادي للحرب و التاريخ الدولي). هنا تبرز ضرورة الجيش – توفر الدولة على جهاز الحراس. الحرس فئة اجتماعية أساسية كجهاز مناعة لجسم الدولة. لذلك يشترط سقراط أن يكون الجيش نظاميا و احترافيا بدل الجيش الأهلي، انطلاقا من مبدأ أن الحرب فن و حرفة و صناعة.

يدخل سقراط في استعراض لائحة الشروط الواجب التقيد بها في تكوين الجيش و هي:

ـ الاستقلالية كمهنة عن المهن الأخرى.

ـ أن يكون لها رجالها من ذوي الاستعدادات الطبيعية.

ـ أن يكون الجيش منظما و يعتمد على التكوين و الإعداد.

ـ التوفر على المعدات اللوجستيكية الضرورية.

وضع سقراط لائحة المواصفات المطلوبة في شخصية من هم مؤهلين لان يكونوا حراسا:

ـ الملاحظة ( الحيطة و التبصر).

ـ السرعة (الإقدام).

ـ القوة (المقدرة).

ـ الشجاعة.

ـ الحماسة.{12}.

حدد سقراط بعد ذلك قواعد سلوك  الحراس أو الجيش من منطلق المهام الداخلية و الخارجية: على الحارس أن يمتاز بالوداعة مع المواطنين،و بالشراسة مع الغرباء. تولد الطبيعة المتباينة لهذه المهام مفارقة صعبة الحل: كيف نجد سبيلا للتبرير المنطقي لاجتماع هاتين الصفتين في شخص واحد؟.

لكن سقراط اهتدي بعد تفكير فطن و سريع إلى ت مثال / دليل الكلب على اجتماع الوداعة مع صاحبه و أهله و الشراسة مع الغرباء. غير أن سقراط من خلال بحث شخصية الكلب يهتدي إلى صفة أخرى يضيفها في لائحة مواصفات الحارس، و هي القدرة على التمييز و المعرفة ( الحكمة) أو التفلسف.

 

يلاحظ هنا خلط بين التمييز و الحكمة ( التمييز فعل عقلي – حسي بسيط بينما الحكمة هي اكتمال النظر و الخبرة(  ( هذا الخلط يكفي رده إلى هفوات في الترجمة العربية) ، كما يلاحظ أيضا أن الكلب أصبح فيلسوفا أو الفيلسوف كلبا. ( هفوة ترد إلى النسخة العربية). كما يلاحظ دمج صفة الحارس وصفة الفيلسوف من خلال صفة الحكمة و المعرفة.{13}

ينتقل سقراط إلى بحث إشكال الطريقة التربوية السليمة لإعداد و تربية الأفراد داخل الدولة، و هو هنا يعيد طرح المسألة التربوية التي سبق أن عالجها " أديمانت"، لكن من زاوية أخرى: " أديمانت" تساءل حول كيفية تربية النشء على قيم العدالة. أما سقراط فيبحث في كيفية تربية الرجال أو الحراس، ليظل جوهر المشكلة  واحدا: و هوماهية التربية السليمة و طرائقها.

ينهل النظام التربوي الذي يقترحه سقراط من الموروث التربوي ( ليس تصورا تجديديا بشكل جذري ) يحتفظ بالرياضة و الموسيقى. الرياضة لأعداد البدن و الموسيقى لإعداد النفس – لكن يقدم سقراط الثانية على الأولى نظرا لشرف النفس على الجسد.

على أن استكمال تربية النفس سيستدعي الاهتمام بالأدب ( الخطاب) حيث يقسم الخطاب من جهة قيمة محتواه إلى نوعين:

ـ خطاب كاذب.

ـ خطاب حقيقي.

كما يبين أثار كل نوع على تكوين شخصية الفرد، الأدب الكاذب بغيض في كل نتائجه.

ضرورة استبعاد الأدب ( الأساطير و الخرافات) لأنها تلقن الأطفال في سن مبكرة قيم مغلوطة لكون رقة الأطفال و براءة نفوسهم تجعلهم يتطبعون بسوء الأدب (  تصور بيداغوجي يقوم على تصور سيكولوجي للطفل).{14} لذا يتوجب في نظر سقراط مراقبة الإبداع الثقافي – الأدبي و ضرورة تحسيس المربين ( الأمهات و المربيات) بخطورة هذا الأدب الكاذب. لا يتعلق الأمر بالأساطير و الحكايات المتداولة بين الأمهات و الجدات التي تحكي في الليل لتنويم الأطفال و إنما يشمل الأعمال الكبرى و الرئيسية في الادب الإغريقي كأعمال هزيود، هوميروس...و هي أعمال ينظر إليها من طرف الناس كلسان حال الآلهة و نواميس حاملة للحكمة و الحقيقة ( يذكر نماذج: أسطورة أورانوس لهزيود). يحاكم سقراط إذن التراث اليوناني كله بالرداءة و يسفهه. هذا الأدب صورة الآلهة و يحط من قيمتها.{15}

يطالب سقراط بضرورة تنزيه الآلهة، و أن يعي الشعراء بمسؤولياتهم كناطقين باسم الآلهة، و اعتبار الأدوار التربوية المنوطة بهم لأن الطفل لا يميز بين الأسطوري و الواقعي. ليصل إلى ضرورة مراقبة مجال الإبداع الثقافي، و هي مسؤولية الدولة و المشرع بوضع قوانين واضحة.{16}

ينتقل الحوار فيما بعد إلى بحث الصفات الضرورية في الإله من أهم الأفكار التي وردت هنا:

ـ الآلهة خير، و هو مصدر الخير، و للشر مصدر أخر.

ـ يقدم سقراط نماذج من شعر هوميروس تصور الآلهة تصويرا سخيفا ليدعم مقترح وضع قوانين تلزم الشعراء احترام الآلهة و تنزيهها عن النزوات البشرية، حتى لا تفسد المثل و النماذج التي على أساسها تربي نفوس النشء و حتى لا تفسد الدولة في نهاية المطاف.

ـ الله كائن جوهراني بسيط لا تغير فيه ( ضحد فكرة وحدة الأضداد و التغير التي قال بها الحكماء الطبيعيون و السفسطائيون أنفسهم و الدفاع عن مبدأ الهوية و عدم التناقض).{17}

ـ كمال الذات الإلهية في أبهى مراتب الجمال و الفضيلة.

بعد إظهار الصفة الكاذبة لشعراء و تنزيه الآلهة عن الكذب و الخداع، ينتقل سقراط إلى بحث طبيعة الكذب باعتباره نوعا من الجهل المستقر في النفس و أنواعه:

ـ كذب حقيقي.

ـ كذب ملفوظ.

الكذب الأول بغيض في جميع نتائجه. أما الكذب الملفوظ فيكون مفيدا نظرا لجهلنا ببعض الوقائع الماضية.

لكن يستحيل أن يكون الإله كاذبا مادام ليس جاهلا بالماضي أو في حالة نقص ( محتاج لغاية) لأجل كذبة.{18}

يلخص سقراط نتائج بحثه في الآلهة في نهاية هذا الباب: إن الإله بسيط كامل، صادق في فعله و قوله، ثابت لا تغير فيه ( و هو يذكر بنفس الثوابت التي قامت عليها اللاهوتية السماوية ( الأديان الكبرى). سقراط يؤسس للاهوت عقلاني، يقوم على فصل الذات الإلهية عن صفات الذات الإنسانية المتغيرة و المركبة

و يذكر بضرورة تشكيل أدب جديد على أساس قيم فاضلة تتيح تربية المواطن / الحارس على الفضيلة و الصدق.

ينتهي الكتاب بعبارات الامتنان التي قدمها "أديمانت"في حق سقراط و كأنه اقتنع و بلغ غايته التي حددها منذ البداية" و أني لأعدك أن اتخذها مبادئي التي أسير على نهجها".

لكن سؤال العدالة في النفس و الدولة يظل جوابه معلقا.

 

ـــــــــــــــــــــ

{1} ـ La république :traduction et présentation de George Leroux- Gf Flammarion 2004 

   Page120 .ـ357b .

{2} ـ La république :traduction et présentation de George Leroux- Gf Flammarion 2004 

   Page120 .ـ357C.

{3} ـ نفس المرجع صفحة 121 ـ b358 .

{4} ـ نفس المرجع صفحة 122 ـ e358 .

{5} ـ نفس المرجع صفحة123ـ 359d.

{6} ـ نفس المرجع صفحة 126ـ 361b /c.

{7} ـ نفس المرجع صفحة 127ـ 362c.

{8} ـ نفس المرجع، صفحة 128ـ. 363b

{9} ـ نفس المرجع، صفحة 131 ـ b 365.

{10} ـ نفس المرجع، صفحة132 ـ d365.

{11} ــ نفس المرجع، صفحة 133 ـ b366.

{12} ـ نفس المرجع، صفحة 147 ـ a374 ←d375

{13} ـ نفس المرجع، صفحة 148ـ 149ـa376← c376.

{14} ـ نفس المرجع، صفحة 151ـa377.

{15} ـ نفس المرجع، صفحة 151 إلى 161ـ c377←b383.

{16} ـ نفس المرجع، صفحة 155 إلى 157ـ d379←d380.

{17} |ـ  نفس المرجع، صفحة161 ـe 382

{18} ـ نفس المرجع، صفحة 160ـ 382c.

 

 

 

 

 


استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=