بيداغوجيا اليقظة

بيداغوجيا اليقظة
و إمكانية استثمارها في المدرسة المغربية
 
من إنجاز: سهام لغلام و بهيجة معروف
تحت إشراف الأستاذ : محمد سعد

المحتويات
I- مقدمة 1
II- الطفل والعالم : أهداف أنشطة اليقظة 2
III- الإدراك الحسي للعالم : الزمان و المكان
1. المكان
2. الزمان
3. الإدراك الحسي
4. الصورة
IV- من الاهتمام إلى النشاط
1. الاهتمام
2. من الاهتمام إلى الاندهاش
3. من الاهتمام إلى النشاط
4. النشاط
5. أنشطة اليقظة هي تجربة شخصية
6. النشاط والعمل
V - تكوين الفكر العلمي
1. تكوين الفكر العلمي
2. التعميم
3. التوجه الابستمولوجي
4. العقل و النظام
VI - دراسة المجال
1. معنى دراسة المجال
2. الامتداد في المجال و في المكان
خاتمة


مقدمة
إن النظريات التربوية الحديثة هي مجموعة الممارسات التي ترتكز عليها طرق التعليم الجديدة والمبتكرة حديثا من قبل بعض المربين أو رواد التربية. وهي أيضا مجموعة الطرائق والتقنيات والإجراءات التي تستخدم لتعليم مادة معنية. ومع تطور التعليم و اكتشاف ضرورته الإلزامية للجميع، تعددت النظريات التي شكلت قاعدة للأساليب و التقنيات المتنوعة والتجارب المتعددة التي انتشرت في أوساط التعليم تسندها الاكتشافات الجديدة في حقلي علم النفس البيولوجيا.
و الميزة الرئيسية للنظريات التربوية الحديثة تكمن في احترام الذات، فهذا الاحترام يتضمن إذن اخذ الكائن بعين الاعتبار من حيث جديته و من حيث غرابته، ولا يتوقف عند الإصغاء إلى الرغبات بل يذهب إلى ما قبل الرغبة و يستبق الطلب، فاحترام الذات يعني مساعدتها وإدخالها إلى مساحة الرغبة.
وقد جاء بحثنا المتواضع هذا، ليطرح بيداغوجية حديثة تحاول بدورها أن ترمم الثغرات التي أفرزتها البيداغوجيات الأخرى في المدرسة التعليمية ألا وهي "بيداغوجيا اليقظة" إذ حاولت أن تجند الأنشطة التربوية وتدمجها لتوقظ وعي الطفل، وتساعده أن يتيقظ بالعالم المحيط به وان تظل إحساساته يقظة ونشيطة.
ولقد طرحنا هذا البحث على الشكل الآتي ، في البداية علاقة الطفل بالعالم حيث حاولنا أن نتبين بعض أهداف أنشطة اليقظة، وكذا إدراكه للعالم و مفهوم الزمان والمكان عنده. وقدمنا بهذا الخصوص مثالين الأول يتعلق بتركيب الزمان في القسم الأولي والثاني يشير إلى بناء مفهوم المكان بنفس المستوى الدراسي.
كما تطرقنا في المحور الموالي إلى كيفية الانتقال من الاهتمام إلى نشاط. أما المحور الثالث فيبين كيفية تكوين الفكر العلمي حيث عمدنا إلى الشرح و التفصيل من خلال المرور بعدة نقط تصب في نفس المجال.
وفي الأخير تمت الإشارة إلى دراسة الفضاء . إذ قمنا باستخراج خاتمة تلخص أهم المبادئ والخصوصيات التي ترتكز عليها بيداغوجيا اليقظة .
ولقد حاولنا، من خلال هذا البحث المتواضع أن نشير إلى الموضوع ونضفي عليه نظرة ولو عابرة آملين أن ينال رضى من أطلع عليه و نتمنى أن يكون الله قد وفقنا في ذلك.
و من المنتظر أن تكون بيداغوجيا اليقظة من المناهج التي ستترك بصماتها في عالم التربية والتعليم. فلا شك أنها تجربة ناجحة وفعالة، ستحاول أن تعالج المشاكل والثغرات التي يعاني منها التعليم إذ أن الأطفال هم الضحية الأولى و الأخيرة لهذه الصعوبات .

II- الطفل والعالم : أهداف أنشطة اليقظة
1. لماذا اليقظة
في بداية القرن العشرين كانت المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المدرسة الابتدائية تتلخص فقط في اكتساب المتعلم القدرة على القراءة والكتابة والحساب ودراسة التاريخ والجغرافيا والتمكن من الاندماج بسهولة في الحياة الاجتماعية بهذه الحمولة المعرفية التي توفرها المدرسة. إلا أن التطور التقني الذي شهده العصر وخاصة في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلوميات جعل من أهداف المدرسة الابتدائية موضوع للمراجعة وإعادة النظر، إذ لا يمكن للطفل أن يواكب هذا التطور بالاعتماد فقط على ما توفره له المدرسة، بالفعل، لا يمكن أن ننكر أن القراءة والكتابة معا على رأس قائمة وسائل التواصل، لكنها أيضا لا تتعدى كونها مجرد مبادئ معرفية، فالتمكن من اللغة وضبط مبادئ الحساب هي من المهام الرئيسية للمدرسة غير أنها أيضا تتطلب إعادة البناء في ضوء تكوين التفكير المنطقي فيما يندرج ضمن صياغة المناهج التعليمية .
إن المهمة الأساسية للمدرسة تكمن في قدرتها على توفير مجموعة من التعلمات والمهارات للتلاميذ على أساس أن تكون متوافقة مع المتطلبات المستقبلية، وكذا تربية وتكوين شخصية متفتحة، وروح يقظة، وعقول متقدة تمتلك القدرة على استنباط و استنتاج أفكار واضحة ، ومترابطة ومتسلسلة، كما تسعى المدرسة أيضا إلى تنمية حسن النقد وإثارة مواقف مستقلة. إذن هنا تطرح الإشكالية : كيف يمكن تنمية الرصيد المعرفي للطفل مع الأخذ بعين الاعتبار قدراته ومستواه الذهني والفكري؟
2. أهداف بيداغوجيا اليقظة
تسعى أنشطة اليقظة بالأساس إلى تطوير وتنمية قدرات الطفل وملكاته الحسية والوجدانية والفكرية، بشكل متوازن وفي آن واحد دون إغفال جانب معين، وبذلك يصبح مستواه الفكري متوافقا مع قدرته الجسمانية ، ومؤهلاته العقلية : لذا فإن هذه الأنشطة تهدف أساسا إلى :
• تطوير المؤهلات الفيزيولوجية والفكرية للطفل؛
• تنمية قدرة الطفل على التعرف على الوسط؛
• اكتساب الطفل الثقة في محيطه؛
• القدرة على استيعاب وتمثيل الأشكال و الألوان والأصوات، وذلك في إطار يقظة الحس الفني والتي تهتم بتطوير الحس الإبداعي لدى الطفل ؛
• التركيز على انفتاح الطفل على العالم الخارجي، حتى يتمكن من التموقع والتفاعل مع محيطه.
يعتبر « L’évolution psychologique » wallon ; أن الطفل يكون منذ الولادة غير قادر على الاستقلال بذاته حيث يكون مرتبطا بشكل كبير بالآخرين- الأبوين- وهذا الارتباط هو الذي يحدد بشكل كبير طريقة ودرجة تفاعله وتعامله مع الوسط الذي يعيش فيه، انطلاقا من الأشياء القريبة منه : كالصحن الذي يتناول فيه طعامه، معلقته، ملابسه، الكهرباء، صوت المذياع وكل المؤثرات التي تثير انتباهه، أو تزعجه، أو تيثير فضوله.
تهدف أنشطة اليقظة إلى دفع الطفل إلى الاكتشاف من اجل التعلم، وبالتالي تبني منهج علمي شيئا فشيئا، إلى أن يتمكن من استيعاب أبعاد محيطه.
تسعى هذه الأنشطة من جهة أخرى إلى تنمية الحس الفني لدى الطفل، من خلال تحفيزه على الابتكار والإبداع إما في مجال أو الألوان أو الأشكال وكذا التدرب على كتابة مواضيع منتقاة من واقعه.
إذا حاولنا تقريب هذه الأهداف في إطار "علاقة الطفل بالعالم" بالموازاة مع ما يقوم به المعلم وعلاقته الوطيدة بالطفل يمكن الحديث عن توجهين رئيسيين :
*يقظة الطفل ، بذاته، بشخصيته وتفكيره وقدرته على الاستيعاب، والفهم والتصور والإبداع والابتكار، والفضول المعرفي...
*يقظة الطفل نحو العالم الخارجي : المحيط الذي يعيش فيه المؤثرات التي قد تشد انتباهه . وباختصار كل ما يمكن أن يدفعه للقيام برد فعل معين.
فالطفل يجب ألا يكون ضعيفا عند مواجهة الواقع، وخاصة عند بلوغه سن التمدرس، فهو يحاول باستمرار أن يربط بين الأحداث، وهذه القدرة على التنسيق يكتسبها بالتدريج، لكن ذلك يتطلب منه مجهودا اكبر، مما يجعله غير قادر على بناء تصور للمحيط.
هنا يأتي دور أنشطة اليقظة، التي تسعى بدورها إلى دفع الطفل وتحفيزه على تطبيق مجموعة من المهارات . في حياته اليومية وذلك في إطار اكتسابه بصفة تدريجية أشكال التفكير المعقلن وتبني المنهج العلمي.
←مساعدة الطفل على الوعي أكثر بمفهوم الزمان والمكان
←مساعدة الطفل على اكتساب منهجية التفكير العلائقي والموضوعي في إطار تحليل الواقع، هذا الأسلوب يمكنه من تكوين شخصيته، فهو بذلك يتجاوز أنانيته، وتمركزه حول ذاته ، ويكتسب القدرة على تحليل وتفسير مجموعة من الظواهر وكذا بناء علاقات ترابط وتسلسل بين الأحداث والظواهر.وهكذا يتمكن الطفل من تجاوز النظرة العبتية والعشوائية للأمور، والتفكير بموضوعية أكثر.
تسمح أنشطة اليقظة للطفل باستخدام المعينات والوسائل الديداكتيكية التي تسهل اكتسابه للمعارف والمهارات، كما يجب اعتماد منهجية للعمل، وتوظيف لغة مناسبة واستخدام الوسائل التعليمية المتوفرة .
ومن جهة ثانية فإن الترابط بين الأسلوب وحسن اختيار الوسيلة أمر ضروري من أجل تطور ملكة الإبداع لدى الطفل، لكن هذه العلاقة لم تعد تحظى باهتمام كبير نظرا للاهتمام المتزايد بالوسائل الحديثة...في حين أن أنشطة اليقظة جاءت للتأكيد أكثر على هذه النقطة، والتركيز على دور التلميذ في العملية التعليمية التعلمية، ومنحه مجالا أوسع للإبداع والابتكار، والقدرة على استخدام الوسائل المناسبة لكل وضعية يواجهها.
إن القدرة على الابتكار والإبداع لا تقتصر فقط على خلق الجديد وإنما تضم أيضا القدرة على تحدي الواقع وتحويله ، لذلك فهي تسعى إلى تحريك الخيال وإثارة المشاعر بالإضافة إلى استخدام الذكاء، والقدرة على التصور والتحليل بموضوعية.
هذا المحور الذي ثم التطرق إليه فيما يخص أنشطة اليقظة لا يقصي بتاتا ما سيتم التطرق إليه داخل المقاربة الثانية ضمن إشكالية :" الطفل في علاقته مع العالم". فالطفل لن يتمكن من تكوين شخصيته، وتبني أسلوب التفكير العلمي، والقدرة على الابتكار دون ربط علاقة بالوسط الذي يعيش فيه، وهكذا تسعى أنشطة اليقظة إلى عدم عزل الطفل عن العالم، فإذا كانت المدرسة تهدف إلى الانفتاح على الحياة فهذا لا يتحقق إلا بالاعتماد على أنشطة اليقظة.
يجب أن توفر هذه الأنشطة فرص أكبر للطفل من اجل الالتقاء مع العالم الحقيقي، وان تمثل بالنسبة له تربية تصورية واقعية. دون أن ننسى انه كيفما كان الأمر سيظل من الصعب على الطفل أن ينسق بشكل بين المعطيات من حوله، ولذلك سيبقى دوما بحاجة للمساعدة، حتى يتجاوز هذه الصعوبة أو على الأقل حتى يقل تأثيرها عليه، لذا فمن الضروري أن يبدأ :
• باكتشاف علاقة الشكل واللون ؛
• تحقيق هذه العلاقة على مستوى الإنشاء الهندسي ؛
• ترتيب كل عنصر بالنسبة للآخر؛
• تقديم هذه العناصر؛
• الإصغاء للنبرات والطبقات العليا ومختلف مستويات الصوت ؛
وباختصار القدرة على تمثيل الفضاء والزمن هو ما يشكل الهدف الأساسي للتربية الأولية. إن دراسة الوسط تمنح الطفل فرصة اكبر للذهاب أبعد في مسألة فهم العالم، وتصوره أكثر، على مستوى الفكر والفعل، وهذا ما يتجلى بوضوح داخل المحور الثاني من أنشطة اليقظة، كعنصر أساسي في المنظومة التربوية، فالطفل كما هو الحال بالنسبة للشخص البالغ يحتاج إلى معرفة سمات شخصيته وذاته، وتركيبة الوسط الذي يعيش فيه، والذي تزداد درجة تعقيده شيئا فشيئا. وعندما انفتحنا هنا عن الوسط. فإننا لا نقصد بذلك الوسط العائلي فقط وإنما مجموع العلاقات الفيزيائية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية التي تربط الطفل سواء بالكائنات الأخرى أو الأشخاص الذين يحيطون به يعرف « Arnould Clausse » "المحيط" أو "الوسط" على انه :
"كل ما يحيط بنا ماديا ، وعقليا، إنه كل ما يحدث، يعتقد، كل ما نفكر فيه ونؤمن به، ونؤكده ونعبر عنه، فالدراسة يجب أن تنطلق على أساس الثقة التي تمكننا من اكتساب معرفة أوسع وفهم أدق للكائنات والعلاقات بين الأشياء والأفكار التي بواسطتها تحقق حياة الإنسان". إن هذا التعريف لا يقتصر فقط على الوسط الاجتماعي بحد ذاته، ولا على الوسط المادي الملاحظ من قبل الطفل ، إنما يعبر على العالم ككل متمركزا حول الطفل وعلاقته معه، فدراسة الوسط يضيف A. Clausse إنما هي دراسة ثقافية لا ينفصل في إطارها مفهوم التكوين عن التعلم. إن بداية ونهاية كل تربية تسعى إلى تحقيق متطلبات فترة أو حضارة معينة، فهي بالأساس ليست إلا تقنية منهجية. وهي بذلك الهدف الذي يجب أن تتوجه نحوه كل جهودنا".
إن المعلومات التاريخية والجغرافية والاقتصادية هي أساس ثمار دراسة الوسط التي يقوم بها التلاميذ مع أساتذتهم ، لكننا نسعى إلى تجاوز هذا الأسلوب في العملية التعليمية التعلمية، فالنتيجة التي يتم التوصل إليها عند دراسة ظاهرة معينة يجب أن تكون نابعة عن علم مسبق بهذه الظاهرة. ولهذا ، فإننا نلح على ضرورة إدماج التعلمات في ظل إنشاء معرفة منسجمة ومتناسقة مع المكتسبات.
II – الإدراك الحسي للعالم : الفضاء – الزمن
*ما هو الزمن والفضاء ؟
هل هي كائنات حقيقية؟ أم مجرد محددات وروابط بين الأشياء ولكنها روابط من النوع الذي يظل ساريا بين هذه الأشياء حتى وإن لم يكن متوقعا؟ أم أنها تتعلق بشكل توقعاتنا وبالتالي البناء الذاتي لقولنا...؟
يجيب كانط على هذه الإشكالية، انطلاقا من اعتبار الفضاء شرطا أساسي لتشكل الظاهرة و لا يتعلق بها. وهذا التعريف يكتشف للبيداغوجيين عن مدى الأهمية القصوى التي يحظى بها الفضاء بالنسبة للفكر الإنساني. فلا يمكن للإنسان أن يحصل على معرفة شاملة دون الاعتماد على تجربة في الفضاء (المجال ).
من هنا نفهم أن أنشطة اليقظة تهدف إلى تطوير قدرة الطفل على الملاحظة وتفحص الأشياء من حيث أشكالها، وخوض تجارب في المجال، وتمثيله، والتفكير في خصائصه، فإدراك المجال ليس صورة عن الواقع، وإنما هو بنية داخلية للمعرفة والتي تصقل عن طريق الاستعمال؛ والنقل، إنها الوسيلة التي بواسطتها تصبح وضعية الأشياء ممكنة".
وفي ظل هذا التصور يمكن أن يصبح الفضاء بمختلف بنياته موضوعا تربويا .
وفي إطار "الأشكال الابستمولوجي الأساسي لطبيعة المعرفة "يقول بياجي : « Celles-ci constituent –elles des copies de la réalité ou contraire des assimilation du réel à des structures de transformation ? »
إنها تشكل صورا عن الحقيقة أو على العكس تمثيلا للواقع .
ثم يجيب بياجي أن المعرفة تتشكل عن طريق بناء تمثلات عن الواقع. في حين أن الإدراك يتحرك على مستوى ما هو معروف. انه تمثيل للواقع ببنية معينة وعلى هذا المستوى يتم إنتاج المعرفة الأولية للموضوع. وحتى إن كانت هذه المعرفة متجاوزة.

1. الفضاء : l’espace
إننا نتعرف على الفضاء، والأشياء والعالم انطلاقا من إدراكنا الحسي، فالطفل في البداية ينطلق من الأشياء المحيطة به، (الوجوه، كل ما يحيط بمهده من ألعاب..). لإدراك الفضاء. فمن الخطأ الاعتقاد أن الشكل الذي تتخذه الأشياء في الفضاء وتجربتنا المؤقتة مرتبطة أساسا بالشيء ، حيث يعتبر الفضاء في الفلسفة الكانطية. مجرد شكل للمشاعر والتصورات .
فالفضاء ، هو كل ما يسهل الوصول إلى معرفة مدركة للأشياء. و بالتالي فما هو إلا شكل لإحساساتنا تجاه هذه الأشياء، إنه ينبع من ذواتنا، إنه مشروط بتجربتنا للأشياء و لا ينتمي لهذه الأشياء . ويمكن أن تنبني هذه التعاريف في إطار تصوراتنا البيداغوجية الخاصة : فإذا كان الفضاء ، عبارة عن تمثيل لبناء حدس خارجي. فهو إذن شكل من أشكال أحساسينا" والذي يمكن تطويره ، و تربيته، بواسطة المرور من ملاحظة الشكل إلى تمثيله لنقل.
إن التعريف الكانطي للفضاء يطرح إمكانية التربية الإدراكية : فالإدراك ينتمي إلى الموضوع وليس للشيء ، وبالتالي فمن الممكن تطويره وتغيره للأفضل . وليس تراكم الأشياء هو الذي يولد مفهوم الفضاء، وإنما وضع العلاقة بين الشيء الذي يتم إدراكه والفضاء الذي يوجد فيه.
2 الزمنle temps
أ- مفهوم الزمن في منظور قاموس علم النفس
يعرف علم النفس الزمن بكونه بناء سيكولوجي للإنسان يسمح له بالتكيف لمتغيرات مجتمعه، وهو مبني على عوامل اجتماعية، وكذا حسحركية. وينقسم إلى زمن موضوعي اجتماعي قابل للقياس مثل الساعة. وزمن ذاتي متغير وخاص بالأفراد واحتياجاتهم، كما تتغير قيمة الزمن من ثقافة لأخرى، فالبلدان المتقدمة تعطي للزمن قيمة كبيرة جدا، ذلك لكونه منظم وموجه نحو هدف معين، في حين إن الدول المتخلفة لا تعير اهتماما للوقت. ومن جهة أخرى يرتبط مفهوم الزمن بالمدة، التتابع والتسلسل، وهي مفاهيم في التركيب الزماني عند الطفل.
حسب بياجي، تطور مفهوم الزمن عند الطفل، يتم في الأشهر الأولى، فحينما يبدأ في التنسيق والرؤية والقبض، تتكون لديه فكرة التسلسل الزماني، وفي نهاية السنة الأولى، يعي تدريجيا وجود الزمن انطلاقا من اختلاف الليل والنهار، حيث يربطهما بالأفعال التي يقوم بها خلال هاتين الفترتين (النوم والاستيقاظ)، كما يدرك الزمان حسب الفرق الزمني الموجود بين عمره وعمر أخيه، ويربط هذا الفرق بالحجم أو بالطول .


ب- اكتساب مفهوم الزمن عند الطفل والإيقاعات المتداخلة في ذلك
يعتبر الإيقاع عامل من عوامل اكتساب الزمن وبناءه وهو الذي يدعم الطفل بصفة خاصة للتكيف الزماني، فهناك إيقاعات داخلية تجعل الطفل منذ ولادته يفرق في أبعاد زمنية مثل نبضات القلب، الإيقاع النفسي، وهذه الوظائف الحيوية تجعل الجسم يتكيف ويصب في عالم الزمن. وإدراك الإيقاع هو شكل من أشكال الإدراك الزمني ويتحقق بواسطة تأثيرات سمعية، بصرية، وحسية. وتوجد أيضا إيقاعات خارجية تنظم ترتيب الحوادث الطبيعية كإيقاع الفصول، الأيام، الساعات، النهار ومجموعة الظواهر التي تقابلها مثل الظلام البرد والحرارة .
فابتداءا من عامين، يعيش الطفل في الحاضر، لكن يبدأ في استعمال كلمات تنتمي إلى المستقبل مثلا سأذهب في دقيقة. كما يستعمل عبارات تنتمي إلى الوقت الحاضر مثل الآن، اليوم، و لا توجد لديه كلمات لتعيين الماضي، لكن الطفل يبدأ في استعمال الماضي للأفعال و بارتكاب أخطاء.
وبعد مرور نصف سنة على هذا العمر، يبدأ باستخدام محتويات تحتوي عل الماضي والحاضر والمستقبل بسلاسة، ويكتسب عدة كلمات وعبارات تدل على الحاضر مثل هذا الصباح، هذه الأمسية، وعبارات أخرى تدل على المستقبل : يوما ما، احد الأيام غدا....وعبارات ثالثة تدل على الماضي : البارحة، أمس، ففي هذه المرحلة من عمره يمتلك الطفل عبارات كثيرة تدل وتنسب للوقت سواء الماضي، الحاضر أو المستقبل فيصبح قادرا على أن يقول كم عمره أو في أية ساعة سيذهب إلى النوم وماذا سيفعل غدا.
وفي سن الرابعة إلى خمسة سنوات يمتلك الطفل فهما واضحا للوقت، إذ يستعمل العبارات المنسوبة للماضي والمستقبل والحاضر بسهولة، كما يمكنه ابتكار إضافات كثيرة تنتسب للوقت ككلمة شهر التي تبدأ بالظهور في قاموسه مثل : الصيف المقبل، الصيف السابق... كما يبدأ الطفل بإدخال التتابع في الوقت ، وترتيب الأحداث التي يعيشها خلال اليوم، ويستعمل مفردات الوقت التي يستعملها الراشد، ويرقم أيام الأسبوع على الأقل عن ظهر قلب، لكنه لا يفهم فكرة الحياة والموت، وان شخصا عاش قبله ويهتم بأيام الشهور ، ويسجل تواريخ الميلاد والحفلات.
ومن ست إلى ثمان سنوات، يمتلك الطفل معرفة أكثر للمدة، إذ يستطيع تميز : الفصول على حدود نشاطات خاصة لكل منها، كما يستطيع إدماج الحاضر بالماضي. وبما أن هذه المرحلة من حياته مرتبطة بحدث كبير قي حياته وهو التحاقه بالمدرسة .


































3.الإدراك الحسي :
إن من السهل على اليداغوجي أن يتجه مباشرة نحو تقديم المجال والزمن . أي أن يتعرف التلاميذ على الخريطة الجغرافية والتسلسل الزمني دون الاستناد إلى أمثلة من واقع التلاميذ المحسوس والمعاش. لكن هذه الطريقة سوف تبين أهمية الإدراك والحركة في عملية تطوير التذكير لدى الطفل. يقول M.PONTY :" إن كل ما أعرفه في العالم،حتى عن طريق العلوم، أعرفه انطلاقا من نظرة ذاتية ناتجة من التجرية التي بدونها تفقد رموز العلوم أهميتها. فالعلوم بكل مجالاتها مبنية أساسا انطلاقا من الواقع المعاش ، وإذا أردنا التفكير في هذه العلوم بجدية، فسوف نلاحظ المعنى و بالضبط .
أنشطة اليقظة هي الوحيدة التي تأخذ أهدافها بعين الاعتبار، هذا الجانب، لابد من الانطلاق من الإدراك الحسي للعالم المشاهد والمحسوس، والملموس، لتسلق سلم المعرفة حتى وان كان المنهج التجريبي يمثل تحكما تاما وشاملا للفضاء فانه يحيلنا على رفض تصور تمثيل تلاثي الأبعاد لهذا الفضاء. لقد نشأت العلوم أول مرة نتيجة مجهود وملاحظة ذكية تم تسخيرها فيما بعد لبناء المعرفة الحقة لذا فان الإدراك الحسي ودقة الملاحظة أمران ضروريان لاكتشاف ماهية العالم.
إن الإدراك في حد ذاته بنية و مستوى أول من المعرفة فهو أصلا فكرة مبنية عن الحقيقة وليس صورة عنها :" انه لا يقتصر فقط على الألوان وإنما الخصائص الهندسية وكل المعطيات الصوتية و وظائف العناصر التي تشكل منظومة معينة فادراكنا لعالم خاضع للمنطق الذي يمنح لكل عنصر محدد خاصيته بالمقارنة مع العناصر الأخرى ويعتبر كل معطى وهمي وغير حقيقي أمرا شاذا إذن فهو يرتبط بالدرجة الأولى بواقع أكيد".
إن هذا التحليل الفلسفي يسعى بالأساس إلى تحقيق مبادئ التربية الحديثة ويهدف إلى تطبيقها.
لهذا يقوم من ينادي بإعادة تحديث تربوي بنزهة في الوسط ، لماذا يسعى إلى الالتقاء المباشر مع الأشياء؟ لأنه لا يمكن إغفال أو إقصاء أي مرحلة من مراحل بناء المعرفة، فالمرجع الأساسي للإدراك المباشر للأشياء، قد يبدأ منذ أول مرحلة، ويشكل بذلك اللبنة المحورية لبناء هذه المعرفة .
وعملية الإدراك تتم بتوظيف الحواس الخمس داخل وضعيتها وموقعها في الجسم الذي يحدد درجة انتباهنا للأشياء.وهذه العملية تعتبر أول مرحلة ضرورية في هذا الإطار.
إن مفهوم التموقع أوالوضعية الجسمانية العامة، والتي نجدها في كثير من مؤلفات H.Wallon يجب أن تقودنا نحو التفكير في بيداغوجيا الإدراك. وعلى العكس تماما مما تحاول النظريات الشعورية اتباته، والتي تقول بأن الإدراك الحسي ليس إلا مجموعة من الأحاسيس المنفصلة عن بعضها. وعبارة عن أنشطة حسية مستمدة، فالإدراك الحسي هو تحكم شامل بالأشياء، داخل المجال والزمان، وهذا التحكم العام والتام يعيشه " الكائن" الذي هو جسمنا .
هذا النوع من المعرفة الحسية يجب أن يحظى باهتمام واسع على مستوى البحث البيداغوجي والنظري :" إن التجارب المحركة لأجسادنا ليست حالة خاصة من المعرفة، إنها تساعدنا للوصول الى العالم وماهية الأشياء".
وهنا أيضا يشكل تحليل Merleau –Ponty نافذة على بيداغوجيا اليقظة : إن الطفل يتجه نحو الأشياء ويبحث عن الحقيقة، والفهم باستعمال حواسه وذكائه المستيقظ ومؤهلاته الجسدية والحركية.
يجب الاعتراف بأهمية الجسد للتوصل إلى إدراك الحقيقة. وهذا ما تسعى إلى تحقيقه جل التوجهات والاطروحات البيداغوجية داخل إطار التربية الحديثة، التي ترفض الثنائية " جسد –روح" في الفلسفة الكلاسيكية.
فالإدراك الحسي إذن يتحقق، فقط عندما يمشي الطفل ويتنزه، يرى تم يطيل النظر و يتأمل يلمس ، و يتحسس، يستنشق و يشم الرائحة، ويتذوق كل شيء.
إذن فالتربية التي تعتمد على الإدراك الحسي وعلى أهمية الجسد، هي تربية محركة وشعورية. وباختصار، فهي تربية جسدية بكل معنى الكلمة. وهذه التربية أساسية في تصور يقظة الطفل نحو العالم.
مثال : انشاء مجال بالنسبة لتلاميذ القسم المتوسط : رسم تصميم والتعرف على مسار
المرحلة 1 : تحديد نص الانطلاق :" البحث عن منزل علي "
المرحلة 2 : تقرير حول الاسبوع الماضي .
• تحديد برنامج العمل بالنسبة للاسبوع المقبل
• تحديد اهداف البحث : استطلاع المحيط
المرحلة 3 : قبل الانطلاق
يقوم التلميذ بعرض المسار الذي سيتبعه
• شارع محمد الخامس
• شارع الحرية
• حي للامريم
ثم نصل فيما بعد إلى منزل "علي" وعند العودة سوف نستقل الحافلة
هذا المسار يبدو قصيرا لذا سوف نقوم ببعض التغيرات حتى نتعرف على أماكن أكثر
تجربة التصميم
عند العودة
رسم عفوي عند انطلاق الرحلة
بحث عن مسار محدد للانطلاق
على السبورة : في المدرسة
بعد مجموعة من المحاولات نتوصل إلى المسار التالي :






وبعد تغير المسار : نحصل على مسار جديد أطول من المسار الأول









قراءة التصميم : التأكد من التصاميم المنجزة من طرف التلاميذ
• كل تلميذ يتلقى تصميما للمدينة
• يتعرف التلاميذ على مجموعة من الأماكن والطرقات . والشوارع الرئيسية
• يتعرفون أيضا على شوارع التي لم تتم الإشارة إليها داخل التصميم المصغر
• يتعلمون كيفية استخدام البوصلة وتحديد الاتجاهات : موقع المدرسة مثلا
• يصوغون عناوين للمجموعة الأولى من التصاميم
وصف شارع محمد الخامس :
• مجموعة من المحلات التجارية ملتصقة ببعضها البعض
• إعلانات مصورة ملونة ومختلفة
• منزل علي يوجد على يسار الصيدلية المركزية
المرحلة 4 :
يتحدث كل تلميذ في إطار التعبير الشفوي عن أكثر شيء أثار اهتمامه خلال هذه الرحلة
إنشاء المشروع : خط الرحلة
• حي المسرة
• حي القدس
• حي الفلاح
بعض الملاحظات الأخرى
• في الطريق التقى سمير بصديق قديم
• تناول التلاميذ وجبة خفيفة في مطعم صغير
في طريق العودة :
• تعبير كتابي أو رسم لحدث معين أثناء الرحلة
• يقوم التلاميذ جماعة برسم مسار الرحلة
المرحلة 5 :
• يقوم الأستاذ بتدوين ملاحظات التلاميذ حول الرحلة، وإرفاقها برسوماتهم .
• رسم تصميم نهائي لمسار الرحلة يضم كل المعطيات التي تم التوصل إليها.


4.الصورة :
لا يمكننا أن نجعل الأطفال يحتكون مع الأشياء والكائنات الحية وهم منغلقين في أقسامهم على الكتب أو المسلطات العاكسة، متقيدين بالانجذاب الذي تمارسه عليهم وسائل الإعلام، فالأساتذة قد استطاعوا أن يبذلوا تصورات التلاميذ ، واعتمدوا على الرؤية وعلى الصورة ، فهذه الأخيرة نافذة تعكس الواقع.
في هذا المجال تعتبر الرؤية الفلسفية أساسية ، فقد وضع سارتر الاختلاف الجوهري بين الصورة الذهنية والخيال والتصور ، فمثلا " أصل الشيء" ليس نفسه ما يظهر لنا في الصورة أو التصور، إدراك الشيء يتكون من مجموعة متنوعة من المحددات والروابط، لكن الصورة تحدده، فهي لا تملك في طياتها سوى عدد محدد من الروابط التي نعيها جيدا.
إدراك الشيء في الأصل مختلف تماما عن صورته الأصلية التي تعكس الشكل الذي يعطيه الخيال أو الطبعة المصورة عن ذلك. فلكي يستطيع الطفل معرفة كل جوانب العالم المعاصر من المهم أن يتعرف على الصورة و الآثار التي يمكن أن تحدثها، وكيف تم تركيبها، ومن هنا يمكننا أن نستخلص أن أفضل طريقة لاكتساب العلم والمعرفة هو، بدون شك ممارسة أنشطة الإدراك وتركيب الصورة، وفي هذه النقطة سنشير إلى انه مثل نظيرتها ، تعتبر أنشطة الإبداع والخلق هي العتبات الأولى للوصول إلى العلم.
ولكي يتعرف الطفل على حضارته وتاريخه، يجب عليه أن يعرف الصورة ، لكن بين التعرف على طبيعة الصورة الفيلمية وتصورها بدون تحليل أو إنتاج هناك فرق شاسع ، ولهذا قد تم تخصيص جزء كبير من أنشطة اليقظة لقراءة الصورة العريضة ، لكي نحللها و ننتقدها ، ولكي نعي هذا النقد، يجب أن يقوم الطفل بهذا العمل لكي يستطيع أن يفكر في مبادئ وأسس تركيبها . ففي الأقسام التحضيرية يمكن للطفل أن يتخذ آلة تصوير ويحسن استعمالها و ينتج صورا . ومن هنا تولد لديه معرفة لبنية الصورة ومعرفة مدققة للشيء المقدم، كما يمكنه أن يستشف الفارق بين الصورة والشيء ، مثلا الأطفال الذين لم يسبق لهم أن رأو المرسى ، يجدون صعوبة في التعرف عليه من خلال الصورة، فإذا استطاعوا رسم أو تصوير ميناء بأبعاد ضيقة بعد أن يستخلصوا و يحللوا الفرق بين الصورة الفوتوغرافية وإدراك الشكل الحقيقي لهذا الميناء، عندها سيكونون قادرين على تحليل صور فوتوغرافية لأماكن أخرى بعيدة و مختلفة أكبر تعقيدا من التي يعرفونها عن طريق التصور و الإدراك.
فإذا كانت الصور الموجودة بالمناهج المدرسية ليست إلا تعاليق مفصلة للنصوص المتعلقة بها، فهي تضلل التلميذ عن بناء ادراك مناسب وكافي عن الواقع وجوانبه. غير أن التربويون ونظرا لعدم وعيهم أخطار وشراك الصورة، انساقوا وراء الكتب التي تعتمد عليها واعتبروها أكثر وضوحا وسهلة الاستيعاب من طرف التلاميذ، فالمجهودات المبذولة في قراءة الصورة المطلوبة لا يمكن أن تعوض إدراك الواقع بل أكثر من ذلك ، غالبا تعلق هذه الصور الغير واضحة تأثيرات لوجهات نظر اذ تمنع وتحول دون الإدراك المباشر الذي هو عبارة عن تعرف أولي على الشيء.
كل منظر يتمظهر في الإدراك الحسي حسب وجهة نظرنا حوله ويفتح أيضا مظاهر متنوعة والذي يطرح ملاحظات وتساؤلات مختلفة ، يتجمد داخل الصورة . إذن تبرر الحيطة والحذر لبعض التربويين بخصوص الصورة وتعزى المشاكل التي تطرحها قراءة الصورة للفارق الكبير الموجود بين الصورة والخيال. ولهذا نجد أن صناع الطرق التربوية النشيطة، الأكثر ميولا إلى فلسفة ديكرولي يهتمون كثيرا للدراسات الإدراكية للاماكن والتفاعل الحساس والإدراكي مع الأشياء فهم لا يستعملون الصورة إلا كوسيلة ثانوية في معرفة الواقع. يعتبر الخلط بين التربية الحديثة والتقنيات السمعية البصرية على حساب تقدم التقنيات النشيطة. ولكن الخلط بين التقنيات الحديثة للتربية وطرق التربية الحديثة يعني أن ننسى أهداف بيداغوجيا اليقظة ، وان نشوه الواقع باستعمال آلة وأجهزة تضلله عوض أن تظهره و تعكسه، غير أن هذا الحذر الذي يطبقه التربويون المنشغلون بالمعرفة الأصلية وهي الإدراك، لا يمنعهم من العمل على التحليل النقدي للصورة ، هذا التحليل يكمل و يبرر الرجوع إلى الإدراك المباشر للأشياء، الذي نحاول أن نعالجه خلال هذا المحور. وإذا استوعب التلاميذ والأستاذ معا عدم موضوعية الصورة، ومدى ابتعادها عن الواقع فسيفهمون أن الملاحظة الدقيقة للأشياء والكائنات جد مهمة و لايمكن أن نعوضها أو نستغني عنها.
كما يجب أن نستوضح الفرق بين الإدراك والصورة بين الشيء المنظور، الملموس، المحسوس والشيء المقدم في الصورة. اختصاصات الإدراك والصورة في جوهرهما مختلفين جدريا ، فالأول يحيل المعرفة الدقيقة عن العالم وبالمقابل الثاني يجعل الواقع غامضا يشوهه ويشكله وفق إرادة أخد الصورة أو الإكراهات وأبعاد كل جهاز، ففي بيداغوجيا اليقظة يتوجب علينا أن نقرب الواقع عن طريق الإدراك أو نضع مسافة كبيرة من الصورة لكي نستطيع شرحه جيدا.
فجهاز التصوير الفوتوغرافي يخلق مسافة بيننا و بين الأشياء التي تقلل من فهم الأشياء التي نعيشها في الإدراك الحسي.
المقارنة بين النسخ المصورة والواقع ستكون مثمرة، حيث أن الأطفال في سن7 سنوات فما فوق ، سيجدون بدون صعوبة صورهم الخاصة وسيتعرفون عليها ويحددون بدقة المكان والزاوية التي أخذت منها هذه الصورة.
وخلاصة القول، فرغم حذرنا من الصورة لا يجب ألا نخرجها من أنشطة اليقظة، صنعها وإنتاجها هما منبع الاهتمام، ولكن من المهم أن نمارس دراسة جدلية ومقارنة بين الواقع المنظور والواقع الموجود بالصورة، هذه الدراسة تسمح للطفل بالمدرسة الابتدائية بأن يتحسس أهمية المعرفة الدقيقة التي تتم بواسطة الإدراك وأن يتحكم في عالم الصورة آخذا بعين الاعتبار المسافة الموجودة بين هذا العالم والعالم الواقعي الحقيقي.


IV- من الاهتمام إلى النشاط
1.الاهتمام :
لا يوجد الاهتمام عند الأطفال أو في الأشياء التي نهتم بها، لكنه علاقة دينامية بين الطفل والعالم، بين الموضوع والشيء فبسبب سوء فهمنا للتصور العلائقي للاهتمام ، نرتكب خطئين بيداغوجيين يشوهان أنشطة اليقظة وهما :
إما أن نعتقد أن الأطفال لهم اهتمامات مثلما لهم بطون وأسنان ومن هنا يكفي أن نستخرج هذه الاهتمامات للتعرف عليها وجعلها نقطة انطلاق في العملية البيداغوجية ، مثلا عندما يعبر الطفل أو البالغ في إحدى اللقاءات عن اهتمامه بالرسم، ولكن عن أي رسم يتكلم، وأي نوع من الرسم يفضل إذن ليس هناك حديد معين لأي موهبة أو اهتمام مدققين، مثل هذه التعليقات "اهتم للرسم" هي نتاج مواقف ثقافية واجتماعية شوهت العلاقات التي يربطها الأطفال مع الأشياء.
لا ننفي بقولنا هذا، قيمة التحفيز الثقافي الأخرى التي تضاف إلى الاهتمام الفردي، ولكننا نؤكد بأنه خارج علاقة الموضوع الفردي بالشيء الخاص ليس هناك اهتمام رئيسي. فعندما نريد أن نعمل على التصور التابت، وهو تصور خاطئ عن الاهتمام، نجد أنفسنا وصلنا بسرعة إلى رفض الاهتمامات الواقعية فنسجل الاهتمامات السطحية والظرفية ، ونؤكد بسرعة انه عندما نحضر نمط الوجود بحالة أو هيئة، وبأننا أعطينا تعريفا خاطئا لهذه الحالة سيكون من السهل بعد ذلك أن نرفض بناء العمل البيداغوجي على العلاقة الوجودية للواقع وهذه العلاقة تتمثل في الاهتمام ، في حين أن العلاقة بالوقائع التي ينطلق منها المدرس التربوي توجد فعلا، وهي علاقة سطحية، بل تربط كل إنسان بالوقت الذي يعيشها فيه . فعلاقة الاهتمام هي إذن علاقة شخصية وخاصة في نفس الوقت، ومن هذا المنطلق تجعل الشيء خاص بالنسبة لي ، فهذه العلاقة الدينامية ليست ظرفية ولو ولدت بقوة من لقاء إدراكي ، لأنها مندمجة تماما في الشخصية .
وإما أن نظن هذه المرة أن الأشياء نفسها مهمة، وان هناك أماكن غنية بالاهتمامات وأخرى تفتقر لها، حيث أن الحياة اليومية للإنسان غير مهمة، وهنا نرتكب خطأ مشابه للمشكل السابق، فالاهتمام هو تابت وساكن في الشيء عوض أن يكون في الموضوع، غير أنه يجب أن نعيش علاقة مع الشيء الذي لا يعتبر حالة ، ولا يدخل ضمن علاقة الامتلاك (عندي اهتمامات) ولا علاقة الكينونة (انه مهم ) ولكن بالدينامية العلائقية.
وقد لاحظ ذلك سبيتز ووضعها في الاهتمامات الأولية و الادراكات الحسية للطفل أقل من سنة واحدة. فإذا فقدنا معنى هذه الدينامية، فلأن الوضعية التربوية المعهودة لم توظفها كفاية، أو لأن المشاكل التي نواجهها مع الآخرين تستبعد إمكانية قيامنا بعلاقة مع الأشياء.
كلمة تحفيز، التي اخذت مكانة اهتمام ، تعكس إما غياب التحليل التصوري ، وإما تصور سكوني تابث للاهتمام كما سبقت الإشارة إليه، فمثلا عندما نسمع أننا نستعمل مقطع موسيقي لتحفيز التلاميذ على درس في الفرنسية، مثل هذا التصريح يسمح لنا أن نستشف الخطأ الذي يتطلب منا أن نحفز التلاميذ على المواضيع التي تكون نقطة انطلاق درسنا. بالإضافة إلى أن هذا التحفيز فرض من طرف المعلم الذي يحكم بكل اهتمام الشيء ليجعل تلاميذته يعملون ، إذن ليست هناك أية علاقة بين الطفل والشيء. إضافة إلى أن كلمة تحفيز ليس لها مرادف ( لا يمكننا قول احفز نفسي لأجل)، هذا الخلل يعكس المعنى الساكن الذي نعطيه لكلمة تحفيز، فمفردة اهتمام تعني أكثر العلاقة الدينامية بين الموضوع والشيء، إذن من الأفضل أن نعوض كلمة اهتمام بتحفيز ، محترمين التعريف المدقق الذي أعطاه كلاباريد " كلمة اهتمام تعني رابط مناسب، وعلاقة احتواء متبادل بين الموضوع والشيء".
وقد أضاف "الشيء في حد ذاته ليس مهما أبدا [...] الشيء لا يهم إلا إذا كان الموضوع وضع ليكون مهما من طرف هذا الشيء" وهنا يمكننا القول أن الشيء لابد أن يلمس الموضوع، وان تكون له قيمة في طياته، وانه خاص به، إذن فالاهتمام النفسي والاهتمام البيولوجي لهما مصدر واحد وهو الحاجة للعيش والتأقلم .
وهنا نخلص إلى أن الاهتمام يعبر عن حاجة خاصة، هذه الحاجة التي تحمل في طياتها دينامية الاهتمام ، فالحاجة هي نقص موجه ونشيط وليس مجرد إحساس داخلي، ولا هو رد فعل ، لكنه نقص لشئ ما.....، وحركة نحو....يكبر الاهتمام مع الإنسان ويظهر مثله مثل الاحتياجات الطبيعية الأولية (الأكل، الملبس، الأمن) وهو رغبة لمعرفة بيئتنا وبناء فضاء منظم للحياة وبما أن الإنسان لا يستطيع أن يتأقلم فطريا مع وسطه، فيجد نفسه في حاجة لخلق معارف ومهارات لأنه اقل غرائزية من الحيوانات، فهو محتاج إلى تعلم كل السلوكات الأساسية ، وهذا الدافع يتيح له عمل غير محدود في الإبداع والمعرفة في الرموز واللغة.
بيد أن الاهتمام هو الرغبة في المعرفة ، هذه الرغبة التي تأصلت في الحاجة الشديدة إلى اقتحام الواقع واستغلاله، وفي هذا الصدد يقول ر.سبيتز " الاهتمام هو المرور من التصور إلى المعرفة"
ومن هنا، لكي نطور السيرورة العلمية، يجب أن ننطلق من اهتمامات الأطفال ، هذه الفكرة ليس لها أي معنى إذا لم تنبني على الجانب العلائقي ، الجانب الديناميكي والعاطفي. إذن قبل أي نشاط موجه نحو اليقظة، لابد أن نخصص مرحلة مهمة لإبراز اهتمامات الأطفال أمام مجموعة القسم والأستاذ، هذه الاهتمامات التي يمكنه أن يعبر عنها بشتى الطرق (الرسم،اللقاءات ...الخ) .




2.من الاهتمام إلى الاندهاش
يعبر الاهتمام الحقيقي عن مسائلة حول الواقع، فالطفل الذي يهتم للمطر، يلاحظه ويتساءل من أين يأتي المطر؟ ولماذا تمطر؟ فقد يكون جواب الأطفال في سن 4 سنوات بتبريرات مثل "هناك رجل قد سكب الماء من فوق" رغم ذلك ، فطرح التساؤل هو في حد ذاته مهم وأساسي.
يعتبر L.Legrand ان التساؤل هو رمز من رموز يقظة الطفل بالعالم فإذا كان من الضروري إعطاء تعريف لكلمة يقظة، فسنختار بدون شك كلمة دهشة وقد تولدت العلاقة بين الإنسان والشيء لأن هناك احتكاك دقيق مع الشيء ومزدوج بتساؤلات ودهشة، هذين العاملين يخلفان أنشطة البحث واستنباط الأجوبة. وقد بين Legrand العلاقة الموجودة بين الملاحظة والبحث عن التبرير والشرح لسبب هو أن الملاحظة لا تعتبر كتقنية بيداغوجية وتربوية .
ومن هنا، يمكن أن نفهم لماذا كل اهتمام قد تولد من إدراك متشكل من الملاحظة، وانه لا يأخذ قيمته إلا في علاقته بالدهشة ، وإذا كان متبوعا بأسئلة وأبحاث تفسيرية، وانه إذا كان هناك فساد في الملاحظة أو الاهتمام ، فلأن بيدغوجيا الملاحظة اعتبرت هذه الأخيرة كافية وفصلتها عن الفضول الفكري " لقد لاحظ العالم انه لكي نفهم ونجيب على حاجة من اجل التفسير ، يجب على التلميذ أن يلاحظ فقط من اجل الملاحظة بعيدا عن كل فضول تلقائي أو انشغال فكري".
نقد الملاحظة المبتورة لا يمكن أن يكون مسيرا إلا بالتحليل التصوري والفلسفي لمبادئ الإدراك، الاهتمام والدهشة ، وهذا التحليل سيساعدنا على اختيار أهداف ومرامي أنشطة اليقظة بشكل جلي " الهدف الأسمى للتعليم ليست بالضرورة هو اكتساب المعارف،ولا هو تمرن على الموضوعية، لكنه قبل كل شيء إيقاظ الفضول الفكري للطفل..." هذه القولة تطرقت لكلمة يقظة التي هي موضوع بحثنا، إنها يقظة الطفل بالعالم الذي يحيط به، وبالواقع الخارجي وحتى وعيه بنفسه وذاته، وهنا يمكن أن نلخص مفهوم الفضول فيما يلي : "النزعة التي تدفع إلى التعلم ومعرفة أشياء جديدة " يقظة الفضول والرغبة في الفضول المعرفي يوجد بالضرورة في مقرر التفكير البيدغوجي الذي يهم علاقة الطفل بالعالم المحيط به .
3.من الاهتمام إلى النشاط :
مرة أخرى، يمكننا أن نؤكد على أن الفضول الفكري لا يمكن أن يكون خصبا إلا إذا خلق عملا في البحث و الاهتمام، لا يمكن أن يكون فائدة تربوية إلا إذا كان متبوعا بأنشطة الذكاء. غير أن مفهوم النشاط لازال غامضا، رغم انه موضوع وانشغال البيداغوجيات المعاصرة. تعتبر قيمة الأنشطة مهمة في سيرورة نمو الطفل، إذ يقول بياجي "تطور العلميات الفكرية نشأ عن التأثير في المعنى الكامل ، لأن المنطق هو قبل كل شيء وسيلة الربط الإجمالي للأحداث".
في نفس المرجع، بين بياجي أن الطرق النشيطة كانت ضحية خطئين كونا معنيين معاكسين لمفهوم النشاط.
وهما إما أن يتم خلط النشاط بالعمل اليدوي أو الرموز الخارجية له. أو أن النشاط التلقائي اعتبر كغياب للمجهود، إذ أن كل حدث خصوصا إذا كان مربوطا باهتمام قوي، يرافق مجهود في فهم الواقع الذي يتجاوز بشدة كل مجهود تولد عن إكراه خارجي للموضوع، وعلى العموم ، فهذين الخطين لم يحللا طبيعة النشاط.
4.النشاط
في نظرنا، للتعرف على الخصائص والتمكن من صيانة تركيب مفاهمي، يجب الاطلاع على مجموعة كبيرة من آراء ومواقف الكتاب.
يؤكد كلاباريد على الميزة الوظيفية للنشاط، فهذا الأخير لا يقام إلا عند الحاجة والفائدة اللذان يعتبران دافعان له.
على المستوى النفسي البيولوجي وعلاقته بوظيفية النظام والبنية النفسية، يعرف النشاط على انه اشتغال وعمل كل الأجهزة بصفة عامة أو حتى جهازا واحدا أو مجموعة من بنيات الذكاء ، إذن فالقيمة الوظيفية للنشاط لا تأتي من خارج الحدث وهذا ما اسماه كلاباريد ب (l’effectuation) إنها إنتاج أو إعادة إنتاج حركات انطلاقا من خارج إحداث الميدان ولها علاقة قوية مع الحاجة، الاهتمام والرغبة .
هناك أوقات يستخدم فيها الأطفال أياديهم لابتكار مؤلفات ليكتبوا، لكن هذا ليس إجراء يسمح لنا بإعطاء تعريف لوظيفية النشاط :" مفهوم نشاط في المقاربة العامة يتعلق بالمعنى العملي والوظيفي" بيد انه لا يمكننا أن نعطي مفهوما للنشاط انطلاقا من وظيفيته، بل إن كل نشاط له طابع عملي وأساسي، إذن فهناك انسجام ونظام ينبني عليه كل نشاط، هذه العلميات تنظم الواقع وتسمح بتمثيل ذلك عن طريق الذكاء.
في كل نشاط –وبالأخص أنشطة اليقظة- هناك بناء وتنظيم للواقع بواسطة الفكر والحدث فالحقيقة توجد بالضرورة معكوسة إما عن طريق المقاربة العلمية أو المقاربة الجمالية التي تقوم بها الأنشطة.
يجب أن نؤكد على الطابع التركيبي و الطابع العملياتي للنشاط ، ففي تتابع الأحداث ، الأفكار، المشاريع، الفرضيات، البحوث وحتى النتائج التي ترافق الأنشطة ، يوجد هناك انتظام و في حقيقة الأمر يعتبر النشاط انسجاما داخليا كبيرا يقوم على بناء و إعادة بناء الواقع.
ففي سيرورة النشاط يمكننا أن نعي الانسجام و الانتظام الضروري وهنا يتكون مشروع البحث والإبداع. فالمشروع يعطي للنشاط منحاه و أهدافه حتى معناه المحدد. في أنشطة اليقظة ، وفي الوقت الذي ينقسم فيه تلامذة القسم إلى ورشات عمل، تبدأ بوادر المشروع بالظهور إذ يمكن أن يكون جماعيا، وفي إطاره تتحدد لجنة الإحداث.
الاهتمام يولد مع الطفل هذا الأخير يتواصل به ويعبر عنه مع زملائه في القسم، فإذا كان مشتركا بين الأفراد يمكن أن يقرر البعد الزمني للمشروع – المستقبل- ويجعل الأطفال يجدون صعوبة في تكوينه والتفكير فيه. ولكن في سن 7 سنوات المشاريع التي تتطلب وقتا قصيرا تصبح ممكنة، فليس من الضروري أن نخطط بدقة للمستقبل لكي نفكر في مشروع ما إذ يكفي أن نعرف المعنى الحقيقي للمستقبل.
بناء مشروع ليس بالضرورة تخيل، فالصورة الخيالية هي " تعقيد يترجم آثار متنوعة وبصفة عامة التخيل يعمل على تمديد و تقوية الإرادة".
وفي بعض الأحيان نجد عند الأطفال رغبة في تخيل بعض الأشياء دون الاهتمام بتحقيقها و هنا يتولد الضجر بسرعة، و على الأستاذ في هذه الحالة أن يطرح مختلف الطرق التطبيقية اللازمة للشروع في النشاط في أسرع وقت ممكن لكن الإرادات الفردية حول مشروع ما تعتبر جد ضرورية إذا تعلق الأمر بالعمل الجماعي ، لجماعة القسم أو الجماعات الصغيرة.
في دراسة الفضاء على الأستاذ إن يكون كفيلا بان يخلق التضامن والانسجام بين فرق العمل يذكر بالمشروع، ويطرح شروحات حول الظاهرة و أجوبة تفسيرية حول المنطقة، الميدان ....الخ.
فإذا لم يتم القيام بهذا الأمر سيكون التلاميذ أكثر عرضة لتضييع هذا العمل. يجب على الأستاذ أن يساعد الأطفال على تنظيم و بناء العمل في المجموعات الذي يرافق دراسة الفضاء و الظواهر الفيزيائية، فعندما يتعلق الأمر بنشاط فني و يخص مشروع شخصي فان ذلك يتخذ منحى آخر إذ أنه يبتكر شيئا من التراب، يتخيل ويرسم شيئا محددا يعطي معنى لنشاطه، فرغم أنه يتبع اتجاها ما فانه ينطلق غالبا من الصورة نحو الصورة إذ أن تناول الصور لا يضر بوحدة المشروع.
الابتكار الفني هو حقل النشاط الذي تكون العلاقة فيه بين وحدة المشروع وتنوع الصور أكثر خصوبة و اندهاشا، فعندما ينحث طفل أو يرسم مزهرية سيلقى مجموعة صور لهذا الشيء تلائم مراحل هذا الإبداع. وفي هذه الحالة يجب على الأستاذ أن يحرس على دوره اذ يشجع التلاميذ على إكمال أعمالهم وإنهائها لأنه، وفي المرحلة الأخيرة، الحقيقة المبتكرة على الواقع تكون مخيبة بالمقارنة مع الشيء المتخيل فغالبا ما نجد الأطفال في سن 8 او 9 سنوات منشغل البال بالواقع تصيبهم خيبة أمل في الرسومات التي يبدعونها فيضطرون إلى تمزيقها او عدم إكمالها أو التعبير بالتخطيط، وهنا يجب على الأستاذ أن يتدخل ليشرح للتلاميذ الفارق الموجود بين المشروع المتخيل و المنتوج الذي حققوه، هذا الفارق الذي بإمكانه أن يصبح إما فرصة للابتكار أو تطور لاحق لا يمس بتاتا بجودة العمل التام.
بمساعدة خيال أو بدونها، يعتبر المشروع مهما في النشاط يعطيه معنى ومستقبل، فإذا اعتقدنا أن نشاط الطفل هو رمز حريته و عندما لا يكون هذا النشاط مكرها بل يقظا فلأنه في قلب النشاط يعيش مشروع الدراسة الناجحة.
في أنشطة اليقظة تتمظهر الحرية في اختيار المشروع من طرف التلاميذ وفي مدى إمكانياتهم من تحقيقها وتعتبر هذه الإمكانية هي الجزء الأكبر المقدم من طرف الأستاذ إذ يتدخل بالطبع ولا يبقى غائبا وجامدا .
إذن فالمشروع هو رمز لحضور الحرية البشرية في قلب النشاط ،و لهذا فالانتباه الأكبر يجب أن يرتبط بتركيب المشاريع الفردية والتواصل بها من طرف الأطفال و بتوافق الجماعة. هذه الأخيرة التي لا يمكن أن تحقق معناها المستقل إلا إذا حققت بالضرورة مشروعا ما. فالنقاشات التي لا تنتهي توحد أفراد الجماعة ومن تم ينشأ النشاط الجماعي لمشروع مقرر جماعيا ولو كان في الأول مقترح من شخص واحد .
وما تم التطرق إليه بخصوص الجماعة ينطبق على الفرد الواحد، فإذا أكدنا بشدة على مفهوم النشاط، فانه يظهر لنا انه يسمح لحرية الطفل بالتحقق " الحرية تتصادف مع القوة الابدعية، و مع النشاط (على اعتبار أن النشاط له صفة ايجابية ومنسجمة) "
5. أنشطة اليقظة : تجربة ذاتية
إن النشاط لا يضمن الحرية للطفل إذا بقي خارجا عن شخصيته، أي حين يقوم بانجازه بلا مبالاة وعدم اهتمام، أما أنشطة اليقظة فهي تجارب شخصية، إنها في اغلب الأحيان عبارة عن تساؤل بيداغوجي مؤقت لما هو "معاش" ، يجب الانطلاق من واقع الطفل المعاش لنحفزه على التكلم،والعمل والكتابة، وفي واقع الأمر فكلمة "نشاط" تقدم تحليلا سلبيا وأكثر ضعفا بالمقارنة مع عبارة "التجربة الذاتية"
فالمعرفة لا يمكن أن تثبت إلا بإخضاع الشخصية للتجربة ، فيجب أن يعيش الفرد هذه التجربة بكل حواسه، وذكائه واحاسيسه، وهذا ما يعتبر أهم المبادئ الرئيسية داخل التربية الحديثة.
من اجل فهم ظاهرة معينة، يجب القيام بالتجربة . لنأخذ على سبيل المثال التجربة البحرية، إذا لم ألاحظ يوما تراجع كتبان الرمل على شاطئ البحر، بعد العاصفة، والتراكمات الحديثة في الجرف ، لن اتمكن أبدا من استيعاب وفهم الظاهرة بشكل جيد، إذ لا يهم أن نحفظ كل ما يتحقق بظواهر التعرية، بقدر ما يقتصر الأمر على رؤية تحققها . وإخضاعها للتساؤل حتى نتمكن من استيعاب كل النظريات المتعلقة بها. فكلما تمكنا من ملامسة جوانب الظاهرة، و كلما زاد تأثرنا بها وبالتالي يزداد فهمنا لها واندماجها داخل شخصيتنا. فإذا كان صحيحا أن الانفعال الذي يصيب الفرد عند حدوث الظاهرة قد يعيق العمل الذهني كما يبين wallon وخاصة، إذا كان متبوعا بالتساؤلات والبحث عن التفسير، فإنه على العكس تماما قد يزيد في بناء استيعاب فعال و حقيقي للظاهرة فالطفل ذو 7 سنوات إذا ما حضر ولادة حيوان أليف (قط ، كلب..) يكتشف تعلق الصغار بأمهم، ويتفاعل معهم، ويدفعه هذا التفاعل إلى البحث ليتعرف على مراحل نمو هذه الحيوانات فالمعارف التي اكتسبها هنا تنتمي لتجربته الذاتية، وهكذا فانه يندفع نحو البحث أكثر عن أجوبة لتساؤلاته حول أساليب عيش الحيوان وتغذيته.
في حين أن الطبيعة التجريبية للنشاط لا يجب أن تجعلنا نهمل حاجة الطفل "للاستيعاب" فالتجربة هي علاقة بين الطفل والوسط :" أن ميولات الطفل تدفعه إلى ترتيب تجاربه واستنباط النتائج بالنظر إلى مناولاته اللاحقة".
إن التربية الحديثة تدفعنا للتفكير أن الطفل هو اساسا كائن نشيط، يتمتع بحيوية حقيقية وبالتالي فان النشاط يتموقع في قلب التطور النفسي للطفل بالنظر إلى التسلسل البيداعوجي المبني وفق أسس علم نفس الطفل.
"إن الطفل يحاول دائما أن يتقمص دور شخص بالغ، ليس فقط بتلقي قواعد حسن السلوك، وإنما أيضا بمقارنة هذه القواعد مع المجهود الذي يقوم به وبتجاربه الذاتية" . فالطفل يسعى إلى القيام بتجارب والتفاعل مع الأشياء، فإذا ما كانت سلوكاته الأولى مبنية على الخيال، والأمور الثابتة بالنسبة له هي جوهرية (الاعتقاد بان الرياح هي كائن حي يؤدي الى الخلط بين الظاهرة والجوهر) فهذه السلوكات تعتبر إشارة على رغبته في التفاعل مع العالم، إنه أول شكل لأنشطة الواقعية التي تفقد تفكيره الخيالي، وتصحح أخطاءه وتدفعه في النهاية إلى البحث عن الحقيقية.
إن تجارب الطفل الأولى يطبعها نوع من التردد والخوف من المحاولة والخطأ: فهي حسب C.Freinet عبارة عن "تجربة ملموسة" بيد أن اللمس في حد ذاته يمثل نوعا من الذكاء الذي على عكس السلوكات الغريزية ، لا يجد النجاح في أية ردة فعل أو جواب تساؤل ما. وتمكن سوابق التجربة في قدرة الطفل على الاستفادة منها على مستوى المكتسبات والسلوكات التي تقوده نحوها ، في حين أن درجة سهولة المناولة هي في حد ذاتها مؤشر على مستوى ذكاء الطفل .
لذا فان أنشطة اليقظة تهدف إلى جعل الطفل الصغير يقوم بتجارب ملموسة، ويمر من خلالها إلى تعرف اللمس التجريبي حيث تتشكل أولى الفرضيات لديه. فهذا اللمس تجربة تستوعب مجموعة من المتغيرات والحقائق المتكررة والتي تسمح بدورها بالتوصل إلى اشباع الحقيقة وتناسق المنهج التجريبي. ومن خلال ما سبق ذكره نستطيع الآن أن نميز بين التجربة أي الاحتكاك مع الحقيقة عن طريق إعمال الفكر، وبذل مجهود ذهني من اجل فهم ظاهرة معينة ، وبين النوع الثاني ونقصد به تجربة اللمس التي تقترب من الفكرة بواسطة طرق تجريبية . وكيفما كان الأمر فإن التجربة المثبتة ، تكرار المحاولات ، وتحسس الأشياء كلها عناصر ضرورية للفهم. وهي أيضا تشكل الخصائص الرئيسية لأي نشاط.
إذن النشاط هو عبارة عن علاقة دينامية بين الطفل والعالم فهو عملي، ويضم بالضرورة مشروعا أو مجموعة تجارب.
6.النشاط والعمل
إن الأستاذ هو المسؤول عن التنسيق فيما بين مراحل المشروع وأهدافه في إطار وحدة معينة، فهو يأخذ بعين الاعتبار اهتمامات التلاميذ ويساعدهم على التحسس أكثر نحو المشروع واغناءه اكثر فهذه الاستمرارية في النشاط والتي يضمنها تدخل التفكير العاقل قادرة على توقع الجهد والمدة التي يتطلبها الانجاز، وتسمح لنا بتصور أنشطة اليقظة على أنها عمل حقيقي.
بالفعل، فإن أنشطة اليقظة لا تحث التلاميذ على صنع بعض الأدوات، أو مؤلفات أدبية مسوقة، تدخل في دورة الإنتاج الاقتصادي، فهذه الأنشطة تسعى إلى تحقيق الغاية في ذاتها وتطورها الخاص، وعلى العموم فإذا أخذنا على سبيل المثال مكونات النشاط (القرار، المشروع، التطبيق على الواقع الخبرة) وأخذنا المظاهر النفسية : الاهتمام بالموضوع من اجل البحث ، بذل المجهود من أجل التوصل إلى فرضيات والتأكد منها . ثم البحث عن سبل تطويرها تقنيا. نكون بذلك أمام "عمل" حقيقي. أما وبالمقارنة مع أي نشاط مدرسي فإن أنشطة اليقظة تدفع الطفل إلى الاحساس بالمادة من جهة (وخاصة في اطار الانشطة الفنية ) ومن جهة ثانية تدفعه أيضا إلى إدراك صعوبة وتعقيد الوسط الذي يعيش فيه؛ وهذا ما يجب إن يدفع به بالتالي إلى التفكير لايجاد الحلول وتجاوز الصعوبات التي تواجهه : وهذا التفكير إما على المستوى الذهني أو اليدوي يجعل الطفل يدرك ويحس بدرجة الصعوبة ، وكذلك بمدى نجاعة الحل الذي توصل إليه .
عندما يؤلف الطفل أو يقوم بصنع شيء ما، فانه ينتج حتى وان لم يكن إنتاجه كبيرا . وفي الواقع فان الطفل يميل أكثر نحو القيام بعمل يتم تقييمه من طرف الآخرين، يقول C.Freinet إن الطفل يستعمل قدرته وطاقته في نشاط سواء أكان شخصيا او اجتماعيا ويحدد أهدافه مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانياته وهذا ما يمثل مجموعة من التفاعلات المتقابلة : تعب- راحة، هيجان-هدوء، خوف-اطمئنان للوصول إلى نشاط اجتماعي يفرح الطفل بانجازه فهذا يتطلب من الأستاذ الالتزام بالاحترام والحذر، واحترام الطفل لا يتجلى فقط في احترام إمكانياته وعدم دفعه إلى القيام بالمستحيل وإنما ايضا معرفة انه في طور النمو، ويرغب في أن يكبر ، وفكرة أن الاستاذ يقدم للتلاميذ أنشطة طفولية لا تحقق غايتها في نهاية المطاف هي فكرة خاطئة ، فتلبية حاجات الطفل موضوع يصعب تحديده بدقة .
فالنشاط لا يساعد الطفل فقط على استيعاب الواقع بل انه يسمح له بالمرور إلى التفكير العملياتي واستعمال الأشياء، وأكثر من ذلك فهو يمنحه ثقة في نفسه. وانطلاقا من رغبته في التعلم والابتكار ووصولا عند العمل الذي يضم مجهودا وإرادة قوية. تسمح أنشطة اليقظة للإنسان أن يثق في قوته وقدراته الذهنية.
وأخيرا ، ففهم السبب وراء اختيار عبارة "انشطة اليقظة" وليس "مجالات اليقظة" ، فالنشاط هو دافع نفسي للتربية وكون أن الطفل نشيط فهو قابل للتربية والتهذيب والتطور . لكن نقاط قوة هذه التربية النشيطة لا تتحقق لا تقبل إلا في إطار عملية وظيفية على الواقع. و تسلسل لأحداث تجد معناها وانسجامها في إطار مشروع ، وأيضا مجموعة علاقات بين الفرد ومحيطه.
تتمحور التربية الابتدائية حول الأنشطة التي تحمل تطورا للمعرفة إلى العالم، لذا يجب أن تكون مسيرة ومعاشه من طرف التلاميذ والأستاذ من خلال الدرس، وحتى عندما يكون التلميذ قادرا على استيعاب التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية، فان الأستاذ الذي يتوصل إلى تدريس هذه المواد يمكن أن ينبني درسه على أنشطة التلاميذ سواء كانت ذهنية أو جسدية .
V- تكوين فكر علمي.
1. تكوين الفكر العلمي
تتحقق يقظة الطفل نحو العالم إذا ذكر بموضوعية، وتمكن من الإلمام بالواقع عن طريق تكوين علمي، لكن هذا النوع من التكوين يطرح مجموعة من المشاكل، فالمعرفة التي يستطيع الطفل أن يكونها بعيدة عن تحقيق التناغم بين متطلبات الفكر المجرد والعلمي، وإدراك الطفل للعالم حتى وإن كان ضرورة مطلقة فهو ليس مقاربة واضحة وعلمية: كون أن مجموعة من الميكانيزمات تدخل في فهم الطفل للواقع، فالإدراك ليس تراكب انطباعات مختلفة تتشكل دلالتها عن طريق العلاقة (ذكرى = واقع). فهي قبل كل شيء حقيقة تلائم بحث الجسد. وهو أيضا ليس عادة تقسيم عمليات الذكاء وإنما استقبال المعنى فورا، والإدراك أيضا هو حدس ويتعلق بالترام الفرد نحو العالم، وبوضعية الجسم، وكذلك بالقيمة التي يكتسبها من خلال الخبرة: فالإدراك الحسي للواقع يتضمن إذن مفهوم القيمة الحيوية وفي النهاية فإن الحقيقة أو الواقع يلاحظ في إطار محدد كما هو الحال بالنسبة لمفهوم الزمن والمكان بيد أن هذه المفاهيم بصيغة أخرى لا تناسب الطفل في تكوينه لنظرة موضوعية وعلمية للواقع.
حتى وإذا ركزنا على القيمة النهائية التي يقدمها تحليل كانط لأشكال الأولية "للحساسية " تجاه المكان والزمان فهذا لا يعني مطلقا أن هذه الأشكال وهذا الحس الأولي هي معطيات فورية وآنية.
إذ كان الزمان والمكان شرطان أساسيان للإدراك الحسي لدى الطفل، فإنهما لا يتشكلان ولا ينحصران إلا شيئا فشيئا بدلالة التجربة والخبرة التي يكتسبها الطفل وفي ما تبقى على إشكالية شروط التعلم. وهذا ما يتجلى في أعمال كانط، التحليل النفسي لمختلف المراحل التي يمر عبرها مسار الطفل للوصول إلى تصور للفضاء والزمان وهذا ما يتحدث عنه بياجي piaget إنهما وجهان مختلفان لكنهما ليس متعارضين. إن من المؤسف أن ننتقد "إنتقادا عقليا خالصا" بإسم علم النفس ورفض الإقرار بأن الطريقة الفلسفية في طرح أسئلة عن الزمان والمكان هي التي تؤكد على ضرورة البحث عن الأسس والشروط اللازمة من اجل الإنشاء الوظيفي، فلا يمكن للطرق النفسية أن تطرح نفس التساؤلات حتى وإن كانت الفلسفة ترتكز في غالب الأحيان على أسس نفسية.
إذن فالإقرار بكون الزمان والمكان ينتميان إلينا لكن بما أنهما مفهومان نسبيان، فهذا لا يعني أن الطفل قادر على استيعاب الزمان والمكان إلا إن كان بقاؤه كاملا وموضوعيا. فالطفل يجد صعوبة في التوصل إلى مقاربة تصورية وعلمية للواقع. إذن فهل من الضروري مواجهة الحقيقة التصورية لدى الطفل مع المتطلبات العلمية التي تفرضها الدقة، التجريد، ومن هذه الزاوية. فإن الوسيلة الأكثر دقة هي تحليل باشلار للتفكير العلمي، وهذا التحليل هو ما نريد تلخيصه وعزل خطوط قوته التي تسمح لنا بالتفكير في تبني بيداغوجيا اليقظة داخل المدرسة.
فالخطاب العلمي يعتبر غالبا خطابا ظرفيا، كوننا نصوغه إنطلاقا من علم تكون خلال فترة زمنية محددة، وخلال لحظة معينة داخل التسلسل الزمني للتطور العلمي .في حين أن العلوم عاشت مدة طويلة على الإبستولبوجيا التي أنتجها باكون BACON وميل MILL :هل يمكن لخطاطة الطرائق العلمية (من الملاحظة إلى الفرضية ومن الفرضية إلى التحقق ومن التحقق غالى القانون) أن تتدخل في تحديد خصائص المنهج العلمي حسب إنشتاين؟
وهي نفس الإشكالية التي يريد باشلار الإجابة عنها. نقوم الآن في التذكير بالنتائج التي تم التوصل إليها لمناقشة هذا الإشكال، والتي تصب في إطار إغناء الأطرحتين التاليتين:للتوصل إلى الحقيقة يجب التخلي عن الأفكار أو التجارب الحديثة التي لايمكن التوصل إليها إلا بعد إحداث قطيعة مع الأفكار القديمة. إننا نحاول كخلاصة أن نستخرج من هذه المنهجية لاكساب الطفل نظرة علمية اتجاه الواقع.
2. من أجل التعميم
إن أول رد فعل نقوم به أمام ظاهرة معينة هي وصف هذه الظاهرة. تم ترتيبها فورا حسب مستوى التجزيء الأكثر وضوحا وإتباعها وتبينها كمقاربة نوعية للواقع. تعد هذه أول منهجية تاريخيا للتفكير العلمي، وكأنها تكاد أن تكون أول المنهجيات التي يصادفها الواقع. فكلما كان الفكر أقرب إلى الحدس والذاتية كلما ابتعد على المنظور العلمي. لذا فمن الضروري معالجة الظاهرة من زاوية أخرى غير زاوية النوع: وهنا تظهر مفاهيم أخرى كالكيف والمعادلة. كما هو الشأن بالنسبة لأول منهجية علمية: إنها تعوض الوصف بالمعادلة والتسمية بالعلاقة والنوع بالكيف. وحتى لا تكون اختزالا رياضيا للواقع، تخرج مجموعة من مظاهر الواقع الضرورية.
وهكذا تقوم أبحاث باشلار حول البرهنة على أن هذا التعارض لا ينشأ عنه أية قيمة بالنسبة للتفكير العلمي،يجب أن ندرك منذ لحظة إنشائنا للتحليل النسبي للواقع: أن التنظيم الكمي للواقع يضم أكثر مما يمكن الحصول عليه من وراء وصف نوعي للتجربة. ووجهة النظر هاته اسهل للفهم والإستيعاب فالتحقيق العنصري يرتبط بالنوع، والمظهر الخاص للشيء كما يتمثل مباشرة في الإدراك الحسي، وهكذا فإن التحقق محدود بوصف بسيط للمظاهر، وتعداد بسيط للخصائص. وتمثيلها في حين ان هذا التحقق هو خاطئ أنه لا يجب البحث عن خصائص الواقع على مستوى الجزئيات وإنما على مستوى القسم بصيغة أخرى فالنظرة النسبية للعالم لايمكن أن تتحقق إلا على مستوى التفكير الخالص. "مستوى" لا تكتسب الأشياء واقعيتها إلا انطلاقا من العلاقات فيما بينها.
فمعرفة الشيء ليست اكتشاف جوهر كاذب له، وإنما وضع علاقات بين الظواهر، ومختلف الخصائص ومن هنا فإننا نجد أن مبدأ التفكير العلمي سيكون عبارة عن مراحل معقدة. وسنبحث بالتالي ليس عن البساطة في الواقع وإنما عن الأمور المعقدة أيضا "العلاقات" : ولهذا يجب أن تكون التجارب معقدة . وهكذا تم رفض الطريقة الديكارتية : فهي لا تتوصل إلى تعقيد التجربة ولكونها تنطلق من الاستدلال وليس التحليل؛ وهذا ما يجب استيعابه جيدا فالبسيط لا وجود له، و لا قيمة له في حد ذاته : إنه ما نقوم نحن بتبسيطه.
إذن فلا وجود لظاهرة بسيطة كما تعتقد المعرفة الحقة. كل ظاهرة تبدو بسيطة فهي على درجة من التعقيد. فكل ظاهرة في واقع الأمر عبارة عن مجموعة من العلاقات. لهذا فلا وجود لظاهرة بسيطة لان كنه الشيء وماهيته عبارة عن خاصيات معقدة . و من هنا يتضح لنا كيف تناولت منهجية باشلار مفهوم الحدس الأولي، فهذا الأخير لا يكون بدئيا، و إنما مستوى (بمعنى أدق يجب ان يكون مسبوقا بدراسة تحليلية تجعل منه مفهوما محاطا بمجموعة من المفاهيم المكملة).
إذن يجب البحث في مستوى القسم عن خصائص ما هو واقعي، لكن بنيته لا تتمظهر عند أبسط مراحل الشك ، فلا يمكن أن تظهر الا على المستوى العاقل ، أصبحنا الآن مضطرين على أن نبين أن " البرهان يفوق الملاحظة و أن التوجه الابستمولوجي ينطلق مما هو واقعي "
إن الهدف الذي نسعى إليه للتوصل الى التفكير العلمي يتجلى في إبعاد الجزئيات و هذا ما لا يفعله الفكر المحسوس. هذا الأخير على العكس يصب جل الاهتمام حول ما هو جزئي والذي لا يؤثر بدوره على المجموعة وعلى البناء. إن هذا التفكير الملموس مرتبط بكل معطيات المعاني دون أي تركيب بينها . وهذا ما يجعل كل المتغيرات لا تحدد بشكل أدق وبطريقة متساوية الظاهرة المدروسة. يجب التركيز على ضرورة التقليل من الجزئيات إلى مستوى يجعلها غير ذات تأثير على الكل .
في حين أننا نلاحظ هنا الفعل السلبي للحدس ؛ إنه معرفة قبلية فهو مترسخ/ و لا نسعى في هذا الاطار الى صد المعرفة البدئية وإنما نرغب في مقابلتها مع المنطق . فهذا الحدس الاولي أكيد، إنما عيبه أنه ليس ثابتا . و بالطبع فانه سيكون من الصعب تقييمه اذا لم يكن داخل حدود معينة فطبيعته هي التي تجعله مترسخا بعمق في العقل، و هكذا سيكون الحدس غير قادرا على استيعاب الخطاب العلمي. ان جدلية التفكير هي فكرة باشلار بالاساس، و هي تعني ان التفكير ما هو إلا مجموعة من التصادمات و التعارض و التجاوز بين افكار مختلفة إذ أن خاصية العقل تكمن في عبارة "لم لا" فالتفكير يبحث باستمرار لتجاوز حدوده ، ومعطياته الخاصة. وكذا الفرضيات والمعلومات التي كونها . وإن احسن مثال يمكن تقديمه في هذا الاطار اختير انطلاقا من تاريخ العلوم وهو تطور فرضية الضوء التي تم تأسيسها انطلاقا من انتقاد مجموعة افكار و تفنيدها إلى أن تم التوصل إلى الفيزياء الكمية ل Broglie والتي تسمح بتوحيد فرضيتين متعارضتين :
الفرضية التي تتعلق بجسيمات المادة
الفرضية التي تتعلق بالموجات.
و على هذا الأساس، يقول باشلار في تحليله :" إن المعرفة الحدسية تعيق في النهاية حرية التفكير فهي غير مؤهلة لمسايرة الجدلية التي تدفعه إلى تجاوز الفعل "
إن من المؤكد أن هذه المنهجية تشكل صعوبة في حد ذاتها اذ أن من الصعب تفسير هذا الانتقال مما هو معطى الى ما هو مجرد ، و قبل دراسة هذه العلاقة التبادلية لتكوين المعطيات ، سنتوقف قليلا عند هذا الانتقال من المحسوس الى الملموس ولأجل ذلك يجب الوقوف أيضا على الانتقال من العدد المعدود إلى العدد العاد و للتعميم فمفهوم العدد نتج عن التجربة : فالإنسان لا يستقبل العدد إلا انه يستنبطه من تصور مجموعة من الأشياء الملموسة، في حين انه من المؤكد أن أي نظرية تعميم يمكن أن تأخذ بعين الاعتبار الانتقال إلى مستوى الفهم و هذا السبب لا نستطيع القيام بعملية التحديد. و التجريد و الاستنباط عن طريق الإدراك . أما إن كان هنالك خلط فإن هذا المفهوم سيكون أفقر بكثير من المحسوس ، و لن يكون عددا حقيقيا.
من جهة ثانية ، فالمسافة غير منتهية، إذا انطلقنا من النهاية الى ما لا نهاية، و من البديهي نحو الانعكاسي ينتج الضغط عن قوة مصدرها غير حقيقي. فلكي تصبح الرياضيات علما قطعت ارتباطها بالحدس الشعوري، لقد نهجت أسلوب التعميم دون أن ترتكز على هذا الأسلوب أيضا ، و هذا الأخير ليس اختصارا و إنما على العكس اغناء ينطلق من البسيط إلى العام وبالتالي تكوين الفهم .و بصفة عامة، يتعلق الأمر بالنسبة للعلوم بالعمومية العلمانية التي يمكن أن تكون أداة من اجل الإنشاء و البناء و الاكتشاف .
3.التوجه الابستمولوجي
سنحاول أن نبين أن الدقة لا تأتي من التصحيح، ولا من استرجاع الحدس، لأن هذا الاخير غير قابل للتحليل. أما إذا أردنا ان نتوصل إلى "الدقة" يجب أن ننظم الأفعال، و أن نبدل البناء بالمعطيات .
و هنا أيضا، نجد أن النشاط يعطي قيمة، معنى للإدراك الأولي، فتنظيم الأفعال بواقعية يتيح لنا الفرصة من أجل البناء و المعرفة و الإنشاء.
لذا فان أول ما يؤكد عليه التفكير العلمي هو التحكم الهندسي في التمثيل . فهو يسعى إلى الإحاطة بالظاهرة داخل اطار الادراك الهندسي منذ نقطة الانطلاق حتى يجعلها قابلة للاستعاب و الفهم.
وبالفعل، فان الامر يتعلق باختزال في مسلسل الظواهر و اقصاء كل ما هو ملموس، و حدسي حتى نتمكن من إعادة البناء في إطار نسبية خالصة.ولهذا الغرض فإننا نقص بالتجريد :" المنهجية المنتظمة والاساسية للتفكير العلمي: لكن اليس التمثيل الهندسي و اختزال الظواهر استبدالا لما هو مصطنع بمعطيات؟
إن ما يمكن التفكير المعقلن من نشر نشاطه العلمي حتى يسعى الى بناء ليس فقط الخبرات و انما أيضا النظام . فعوض أن يكون العقل نظريا، و متأملا للمعطيات الخالصة فهو يقوم بالبناء عن طريق التصنيفات والواقع و النظام الطبيعي، و التعريف، بمعنى آخر، لا توجد ظواهر قبل تدخل العقل. إنها مجرد مظاهر بسيطة لا تحيل أبدا على ما هو صائب . لهذا السبب فلا يوجد أي نظام بين الظواهر .
فالعقل هو الذي ينشيء ويبني للواقع إبعاده و امكانياته الخاصة يقول باشلار .
"إن النشاط الإنساني يرفع نظام الطبيعة و يسن القوانين و يمحو العشوائية، فالامر لا يتعلق هنا باكتشاف النظام وإنما بالرفع منه"
في حين أن هذا البناء، لا يمكن أن يكون نتيجة تمتيل بسيط أو ملاحظة دقيقة، بل على العكس فهو يتطلب إعادة تركيب للمعطيات و إعادة الأخذ بعين الاعتبار للواقع. و جعل العالم نتيجة للتحقيق.
وخلاصة منهجية دينامية للتجريد حيث نبني على أساس الفرضيات . اذن فيجب تجربة مجموعة من الافكار التي يمكن ان تنجح احداها و تفشل الأخرى . يقول باشلار ان التمتيل لا يكون كذلك الا بعد التحقق. فالتفكير العلمي اذن سيقوم بتبديل البناء بالمعطيات ، و العقل سيقوم ببناء الخبرات و النظام: و هكذا سيصبح العالم نتيجة لسلسلة من التحويلات و التبديلات، التي تؤسس المنطق، و تجعل العالم يتوصل الى الحقيقة .
4.العقل و التنظيم
كلما تطرقنا له في السابق ، يرجع ليؤكد اهمية واسبقية ما هو اصطناعي ، هذا الاخير الذي يطفو على ما هو طبيعي، هذا التاكيد الذي يمكن ان يفاجئنا، غير أنه يمكن ان نبرر ذلك بطريقتين : فمن جهة ، يمكننا ان نلاحظ انه في كل معطى هام طبيعي هناك لمسة بشرية، و حتى المنظر الطبيعي الذي يظهر كمعطى طبيعي دقيق يعتبر كشاهد عن الحضارة الانسانية فهو وثيقة تعكس القدرة الاداتية للانسان.
و من جهة أخرى، ففكرتنا ان كل ما هو مصنوع يطفو على ما هو طبيعي تفهم كتأكيد على ان لا شيء مما هو معطى، ولا شيء مما نظنه انه اصلي و مستقل عن رأينا الشخصي و عن مشاعرنا الخاصة، يمكن أن نعتبره صاف طبيعي و هذا ما يؤكد باشلار في قوله :" كل شيء طبيعي ليس بالضرورة صادق وخالص"، فاكبر قانون للفكر العلمي يمكن ان يتكون انطلاقا من ثلاث نقط :
لاشيء يأتي من ذاتنا، فليس هناك حدس لا يوجد وضوح تام، ولكن كل ما نظنه مباشرا ويجب ان يخضع لرقابة العقل.
ليس هناك ما هو كائن و منزل في الاصل، فلا يمكن ان يوجد هناك معرفة مدهشة وتأملية، أو مدركة للعالم والواقع.
ولكن كل شيء مصنوع ومكون بواسطة العقل، لهذا السبب قد عرفنا العلم على أنه إنتاج للظواهر.
ماذا نعني بحدث علمي ، فلكي يتحقق فيه هذا الشرط ، يجب أن يخضع لعدة أمور أولها أن يكون له معنى، ولكن لكي يتم هذا ، الوجود الحقيقي للحدث ليس كافيا إذ ليس هو من يقدم لنا المعنى، فهذا الأخير هو الذي سيعطي كل التماسك وكل الواقعية التي يضيفها له العقل، ومن تم يصبح الحدث واقعية علمية إنطلاقا من الوقت عندما ينخرط في نظام معين . ومن اللحظة التي يدمج فيها في بنية مخصصة في الإهتمام العلمي وهنا يقول ألين " يجب أن تكون عالما لتفهم الحدث" ولكن الحدث يجب أن يوجد في علاقة مع مشكل مطروح أثناء الملاحظة، إذ أن كل حادث لابد أن يملك في أصله فكرة متصورة مسبقا.
إضافة إلى أن الحدث كي يكون علميا، يجب أن يختار من بين كل التصادمات التي يقوم بها فكرنا مع العالم. وقد رأينا في هذه اللحظة كيف يتم الحدث بتوظيف الإهتمام العلمي الحاضر. التصفية والتطهير تتطلب من جهتها تدخل العقل والأطروحة، وقد بينا سابقا نشاط العقل في تصفية الظاهرة إذ تتخلص من كل القيم الحساسة والمساهمات الشخصية. وقد تم التغيير في الحدث ليصبح في الأخير عبارة عن راسب، هذا التغيير الذي برر مراعات مع إدراكنا المجرد وعرفنا في نفس الوقت على أنفسنا وعلى التأتيرات التي نخضع لها. وهنا يمكننا أن نرى لماذا يمكننا القول مسبقا بأن النشاط العلمي يتطلب أن نستبدل للحدث بعض الأفكار.
واخيرا فقد تم تأويل الحدث بوساطة الفكرة العلمية التي أكدنا عليها جيدا، فبالإستعانة بكل العلوم المكتسبة يصبح الحدث واضحا ويمكنه أن يدمج في المادة العلمية، غير أنه ليس فقط بواسطة العلم الأطروحي يشرح الحدث، فيمكنه ذلك أيضا بواسطة معرفة محددة للتعبير الآلي. في هذه المرة، تأويل الحدث يعني أن نغير فيه فكرة ما. ويمكننا أن نظيف أن الحدث يجب أن يكون مراقبا بمقاييس، برياضيات أو بآلات خاصة وأن يخضع لموضوعية كبيرة. نريد أن نبين إلى أي حد توجد هناك أسبقية للعقل، للأطروحة وللفكرة في إمكانية الأحداث. إذا فدور العقل في تنظيم رؤية منسجمة للواقع، تدفعنا أن نفهم تضامن باشلار ضد المثال التقديمي.

VI- دراسة المجال:
1. معنى دراسة المجال
"إن الواقع هو الوسط، حيث لا تنفصل أية لحظة عن أخرى بل إنها في بعض الأحيان
تكون مرادفا لها وحيث ليس هناك مظهرا آخر. إنها حالة إشباع تام". مارلوبونتي.
ولأنه قد تم تحويل دراسة المجال عن منحاه العادي،فقد تم إجراء الدراسة المحلية للمجال. وفي الواقع إذا أخدنا بعين الاعتبار التعاريف التي قدمها ARNOULD CLAUSSE، وإذا تمكنا من فهم كنه هذه الدراسة ، من جهة ، ومن امتداد هذا المفهوم من جهة ثانية فإنه يمكن تقبل تركيبة دراسة الوسط.
لكن يجب أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار النقاشات البيداغوجية في حينها، فالتعابير تتجاوز، ويصبح من الضروري تعويضها بأخرى. ويبقى اختلاف المصطلحات غير مهم: اختبار عبارة على مجالات وأوساط أخرى غير وسط عيشه. سواء تعلق الأمر بطبقات اجتماعية أو بنيات اقتصادية.
إن منهاج عدم التمركز هذا ممكن ما دام أن الطفل يستعمل أدوات ذكاء تطبيقية، وذكاء عملياتي وكذا ذكاء نظري تصوري داخل المدرسة الابتدائية، إذن فقد أصبح من السهل أيضا وبالاعتماد على نهج بيداغوجي كالذي نسعى إلى تحديده يتم تطبيقه بتدرج مع اعتبار الإمكانات الذهنية للطفل وسنه ونضجه.
إن من الضروري للمربي إن أراد فعلا مساعدة الطفل على فهم الكون، والعالم في كليته، والسماح له بالتموقع داخله. إذا فلابد له من إيجاد نقطة المعلم، ونقطة الارتكاز لكي يتمكن من ضبط الأمور.
ولأن دراسة المجال هي تداخل عدة مواد، ولكونها دعامة رئيسية لمنهج عدم التمركز، ولأنها تطابق المنهجية المقترحة سابقا فإننا سنعتبر مسبقا هذا النشاط مثالا رئيسيا في بيداغوجيا اليقظة وبالفعل،فإن هذه الوظيفة الرئيسية، والقيمة المثالية لايمكن أن تؤخد بعين الاعتبار إلا إذا قبلنا تماما بدراسة الوسط الذي لدينا
إن دراسة المجال تقوم بتفعيل جل المقاربات الممكنة للواقع: كالمقاربة الاستدراكية ( الحسي والمعنوي)، المقاربة التعبيرية، والمقاربة النظرية والتصورية. بالإضافة إلى الطرق والوسائل في التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية والفيزياء إلخ، فكل هذه المواد تهدف إلى وصف وتفسير الواقع.
إذن هناك طريقة علمية واحدة، تمنح معنى وقيمة لدراسة المجال: وهي الطريقة الجغرافية، وبصيغة أدق يطلق عليها اسم طريقة المدرسة الجغرافية.
فالملاحظة الجغرافية كطريقة ذهنية، يمكن اعتبارها محور أنشطة اليقظة التي ترتكز على اكتشاف العالم. فهي لا تسعى إلى التشكيك في دراسة المجال " الجغرافيا مادة ملموسة. توفر مجموعة من الأساليب التعليمية التي ترتكز على الملاحظة الضرورية لتنمية الذكاء الطفولي.
إلا أنه من ناحية أخرى، لا يجب أن نرجع مباشرة إلى الجغرافيا، و ننسى أهداف بيداغوجيا اليقظة. فالطفل لا يمكنه أن يكون جغرافيا حقا، حيث ينقصه مجموعة من الأشياء : الأدوات التصويرية، الوثائق، المعلومات. كما انه ليس هدف المدرسة الابتدائية. يلزمنا قبل ذلك أن نجعل الطفل يقظا لما حوله و نسمح له بتكوين معرفة أولية، و إيقاظ حس الفضول الإدراكي و الذهني لديه، و تزويده بمختلف وسائل العمل والفهم.
المرحلة الاولى : مرحلة التحسيس
أول مرحلة من مراحل دارسة المجال
1. يقظة اهتمامات الطفل : و تتجلى في فضوله الأول نحو المجال الذي يتم اختياره سواء من طرف الطفل أو من طرف الأستاذ و يتعلق الأمر بالمدينة التي يسكن بها أو الحي أو المدرسة.
2. إدراك الطفل و ملاحظاته الأولى
3. الأدوات و الأشياء التي تثير اهتمام الطفل و التي يمكن نقلها الى القسم
4. الرسومات الأولى الناتجة عن الملاحظة و التذكير
5. وأخيرا التواصل بين الانطباعات و الاهتمامات
يتم إثارة اهتمام الطفل تجاه الوسط غالبا من طريق "الرحلات التحسيسية" حيث يجب أن يترك المجال للطفل للتوقف حينما يشاء، و يتأمل كل ما يثير فضوله، فإيقاع هذه المرحلة لا يجب أن يكون متصلبا، بل يجب التعامل بكل سلاسة، حتى يفسح مجال للإدراك الحسي المتمعن لدى الأطفال. ومن جهة أخرى، يمكن أن يقوم الأطفال بتحديد مسار للرحلة فهذا الأمر سيحفزهم أكثر على الاهتمام بهذا النشاط، وبناء علاقات بين الشيء و الموضوع. و بين الذكاء و الحقيقة الحسية. و التي تشكل الحافز الأساسي لدارسة الوسط. في حين أن ما يثير حماس جماعة القسم أكثر للرحلة هو فتح المجال أمامهم للمشاركة في تدبير خط سير النشاط.
إن جو الرحلة عادة ما يطبعه الهدوء، و الأستاذ لا يجب أن لا ينهزم أمام ردود الأفعال الهائجة التي يقوم بها عادة الأطفال الذين يذهبون لأول مرة في مثل هذه الرحلات. و التي غالبا ما تنتج عن شعورهم بالغبطة والفرح . ومن جهة ثانية فان حالة الانتباه يجب أن تكون على أتم استعداد ن سواء بالنسبة للتلميذ أو الأستاذ إذا أردنا أن يتولد لدينا الاهتمام الذي يؤدي بدوره للملاحظة. فالامبالاة الأستاذ وعدم أخذ الأمور بجدية و حزم سينعكس حتما على جميع أفراد المجموعة، فكيف سيهتم الطفل بملاحظة و إدراك شيء لم يهتم شخص بالغ بملاحظته.
إن رسم الملاحظات يشكل طريقة فعالة، و ضرورية لبناء هذه الملاحظات فعندما يمسك الطفل القلم ويبدأ برسم الأشياء التي تثير اهتمامه يجعله أكثر إنتاجا. و يجعل إدراكه الحسي أكثر دقة.و حيويةحيث ينطلق من جزء إلى آخر، ثم إلى المجموعة تم يعود ثانية إلى الجزء، مما ينمي قدرته على الفهم أكثر .
وعموما يمكننا تلخيص ما جاء في هذه المرحلة في الجدول أسفله :













المرحلة الثانية : الدراسة التحليلية
إذن فالمرحلة التي تأتي بعد المرحلة التحسيسية تتعلق بتحليل النتائج التي تم التوصل اليها. فهي تتطلب استحضار كل ما تم التوصل إليه من رسومات ،وصور فوتوغرافية، حوارات، وبحث عن الوثائق، ومن جهة ثانية فعندما يتعلق الأمر بالأطفال و التعلمات ، فيجب أن تطرح فرضيات لتفسير الوسط المقترح . ثم القيام بالتحقق إلى أن نتوصل إلى استنتاج. ومنه فعلى هذا المستوى يتم تكوين التفكير العلمي.
تتميز هذه المرحلة بتحليل الوسط، حيث نقوم إما بتحليل كلي أو جزئي يتم تقسيم المجال إلى مجالات صغرى مختلفة عن بعضها البعض ، أو نقوم باعتماد الطريقتين معا. أما إذا كان الأمر يتعلق بدراسة الحي أو القرية، فيجب أن نؤخذ بعين الاعتبار المعطيات التاريخية، والهندسية. و الاجتماعية والاقتصادية و الطبيعية، إذ أننا نحاول القيام بدراسة أكثر تعمقا. ولهذا الغرض فإن المدرسة يجب أن توفر الوثائق والمراجع التي سيحتاج لها التلاميذ، في جميع المستويات.
ويمكن تلخيص مراحل الدراسة التحليلية كالآتي :












المرحلة الثالثة / التركيب
يتعلق الأمر خلال هذه المرحلة بتقديم النتائج ، وتصنيفها و تفسيرها. و تركيبها، للتوصل في النهاية إلى تكوين معرفة منسجمة من جهة، ومن جهة ثانية، يتوصل أفراد جماعة القسم بنتائج البحث والاستجوابات التي تم القيام بها خلال المرحلة الثانية .
إذن فكل ما يمكن التوصل إليه و التعبير عنه مبيانيا أو لغويا ، يمكن أن يكون بالنسبة للطفل معرفة حقيقية. فالتمثيل عن طريق الرسم البياني، أو الصور، أو البطاقات يشكل تمثيلا ذهنيا للظواهر الملاحظة. لهذا السبب فإن التمثيل يطابق العمليات الذهنية في بناء التصورات والعلاقات . ولهذا يجب الرجوع إلى الرياضيات ، فكلي نفهم الواقع . يجب أن يتم تمثيله، ضمن إطار إمكانية رياضية بتوصل إليها الطفل ، و ليست المسائل التي يقدمها الأستاذ هي التي تتوج دراسة المجال . وإنما التمثيل المستنير، بناء العلاقات بين النتائج التي تصنع الواقع، وتفسره، وقد وقع أنماطا أخرى من العلاقات غير التي تمت دراستها .

الخلاصة :
غالبا ما تكون إجابة عن تساؤلات تطرحه بعد أول مرحلة على سبيل المثال أسئلة مثل : ما هي الخصائص التي يتميز بها هذا الحي ؟ ما مستقبل بلدتنا؟ و ما هي إمكانيتها ؟.
بيد أن هذه الإشكاليات لا يمكن معالجتها إلا من طرف جميع أفراد جماعة القسم ن بحيث إذا اشتغل احدهم على موضوع البنية الديموغرافية ، سيقوم آخر بالعمل على المعطيات التاريخية ، وفي النهاية يتوصل الجميع إلى حل للأشكال المطروح سابقا .
ولهذا السبب فإن الخلاصة عي في الأصل ناتجة عن أسلوب التواصل وهو آخر مرحلة من مراحل الدراسة. فالأستاذ يتوصل إلى تعميم الجواب عن طريق تبادل لمعلومات الذي يساعده أيضا على تحديد النتائج الرقمية .
التواصل :
يعتبر التواصل الكتابي و الشفهي، و التعبير المبياني من أهم الوسائل أو الأدوات الرئيسية في التركيب ، فإذا حاولنا مثلا أن نوصل نتائج دراسة المجال عن بعد، وسوف يكون هذا التركيب (الخلاصة) ضروريا لجعل القارئ يستوعب ما هو أساسي ؛ لهذا تعتبر الخلاصة أكثر أهمية من عملية التواصل بين جماعة القسم في حين أن هذا الأخير يلعب دوار حيويا أيضا في العملية .
2.الامتداد في المجال والزمان
قد تعتبر مرحلة التواصل والتلخيص أثناء إجراء دراسة للوسط امتداد جغرافيا أو تاريخيا أيضا. فعندما يقوم الطفل بدراسة مجال معين ، فان هذا يمكنه من فهم أوساط أخرى بعيدة عن مجال بمجرد أن يقوم بقراءة بسيطة و بملاحظة الصور حيث يتمكن بمقارنة أوجه التطابق و الاختلاف بين المجالين .
إنه من المؤكد أنه أثناء القيام بهذا العمل الامتدادي لما تم إجراء البحث و الاكتشاف حوله سنتمكن من فهم واستيعاب مجالات أخرى غير تلك التي نعرفها، وهنا يتجلى دور الأستاذ الذي يقوم بتوفير الصور المناسبة للمقارنة. وكذا النصوص والوثائق الضرورية.



خاتمة :
لقد حاولنا ان نعرف بالنشاط، ونصف مقاربة وفهم الفضاء. فلم نعطي مباشرة، بمفهوم أو عدة مفاهيم، التحديد الدقيق لكلمة يقظة ، ولكن استعنا بسلسلة من المقاربات المثالية و المتنوعة، و بالبحث عن أهداف وطرق انشطة اليقظة لتقريب مفهومها.
ولكن هل نستطيع، اعتمادا على هذا التنوع من المقاربات، ان نعطي تعريفا او حتى تركيب و خلاصة للمميزات الأساسية لليقظة؟
هذا المفهوم، الذي تولد عن ضرورة شبه إدارية، آخذ أولا معنى تربوي، فاليقظة تتناقض مع محتوى العلم، و المعرف المجزأة و المكتسبة في التاريخ و الجغرافيا...الخ . غير أنه يمكننا القول ان التأكيد على المنهجيات أكثر منها على المحتوى لا يجب أن يقودنا إلى تناقض خداع بين العلم و المنهاج.
ونحن نكشف للأطفال المنهاج الفكري العلمي، وطرق الإبداع الجمالي فعلى الأستاذ أن يساعد التلميذ أن تكون علما، و أن ينذمج في التعلمات السابقة و في شخصيته.
بناء المعارف و خصوصا العلوم المتناسقة هو النتيجة الطبيعية ليقظة الطفل بالعالم اعتمادا على منهاج و تطورات تربوية مدققة.
إذن ونحن نعي الأهمية المرتبطة بإشكالية ايقاظ الطفل بالمنهاج و المظاهر باعتبارها معان تربوية لليقظة ، مثل هذا التعريف يبقى جزئيا.
إن الممارسة التربوية "يقظة" قد نجحت مؤخرا في اعطاء معنى والذي لم يكن سوء تسمية إدارية. هذه الممارسة قد ساقتنا إلى مبادئ التحفيز. فكرة تحفيز (مجموع سلوكات الاهتمام والرغبة) وهي علامة معبرة لبيداغوجيا اليقظة.
إذا كان مثلا، درس التاريخ لا يهم الأطفال ، و لم يتحمسوا له، فلن يكتسبوا هذا العلم، ولن يكتشفوا المنهجية المتبعة في دروس التاريخ، و باختصار، في هذه الحالة لن يكون هناك لا تاريخ و لا يقظة. فرمز حضور اليقظة في الفكر الطفولي له نظام و موضوع. إنه الاهتمام المطلق، والرغبة في اكتساب العلم، والفضول الفكري ، الاستجوابات وأيضا الاندهاش. فبيداغوجيا اليقظة لا يمكنها إلا أن تكون :
بيداغوجية مبنية على التحفيز أو ما يعرف "بيداغوجيا الاهتمام"
بيداغوجية النشاط مع الوعي بأهمية هذا النشاط في سيرورة النمو عند الطفل .
هذه البيداغوجية لا تتطلب من الأستاذ فقط ان يكون واعيا لأهداف ومرامي التربية ، ولكن أيضا تتطلب منه ارتباط و تعاقد شخصي. فبعيدا عن الإشارة لغياب التدخل الرسمي، تتطلب بيداغوجيا اليقظة من البالغ ان يقترح و يكتشف معالم و نقط ترسخ العمل في الفكر الطفولي.
وأيضا يمكننا أن نطمح في ظهور بيداغوجية توفر مكانا للحركة التربوية، والتي تستند على موقف نشيط للأستاذ ، فتتولد لدى الطفل الرغبة في فهم واستيعاب العالم، وان يكون علما منسجما ونقدا بناء، وهذا ما يسمى بالنشاط الطفولي، فليس هناك أسوأ شيء عند الطفل أكثر من غياب شخصيته أمام الاستاذ إذا ينتظر منه التعاون و الثقة .
على البالغ أن يوقظ فكر الطفل و يدفعه أن يمارس فكره النقدي على عدد كبير من المعلومات التي تنهكه. و باختيارنا لبيداغوجيا اليقظة في الفكر النقدي، يصبح الموقف التربوي تابعا للموقف الفلسفي . نحن في عالم الثقافة حيث كل طفل ملزم بان يحلل، و ينتقد ، وحيث كل بالغ مسؤول بتربية الأطفال، على تحليل الواقع، ممارسة النقد، بناء وإعادة بناء العالم ، بعيد عن كل نقد سلبي يساهم في تخريب المجتمع ،لكن لا يجب الخلط بين الفكر النقدي، فالعمل التربوي ليس له معنى إلا داخل المجتمع و على علاقة به. والتربية لا تعني الفرد، لكنها تهدف إلى العقل الفردي، من زاوية الوحدة الاجتماعية .








استطلاع
 


هل تثق في مشروع اصلاح التعليم المغربي؟
نعم
لا

(Afficher le résultat)


Publicité
 
لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك
 
فضاء للتفكير العقلاني
في قضايا التربية و التكوين
فكرة اليوم
 
إننا لا نرى في العالم سوى ما
نحتاج لرؤيته فيه
 

تاريخ اصدار الموقع: 23- 02- 2012
 
موقع يجدد كل يوم حسب أبوابه
 

=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=